الحملة التعبوية والشعبوية والإلكترونية التي يقودها على الأغلب «مجهولون» تجاه تعيين الوافدين خاصة من الجنسية المصرية، إنما تعبر عن الفشل الذريع في مواجهة الحقائق المرة التي ينضح بها واقعنا الكويتي الاليم، هذه الحملة تريد ان تلصق ذلك الفشل الذي تتضح عناوينه العريضة على التخلف التنموي والترهل الاداري وتراجع الأداء المؤسسي والانعكاسات الاقتصادية السلبية الناتجة عن كل ذلك، وتريد هذه الحملة إلصاقها بالوافدين.

إحصائيا لا يشكل الوافدون العاملون في القطاعات الحكومية الا رقما قليلا، قياسا بالموظفين الكويتيين، وهذه هي حقيقة لا يود البعض إدراكها، وذلك لكونها قد تمثل جلدا للذات، والحقيقة هي ان الوافدين العاملين في كافة المؤسسات الرسمية لا يزيد عددهم عن 100 الف موظف، 64 الف منهم يعملون في وزارتي الصحة والتربية، منهم أطباء ومدرسون تحتاج اليهم الدولة لنقص الكادر الوطني فيهما، اما بقية العاملين في الوزارات الاخرى فأغلبهم يعملون في الوظائف التي لا يشغلها كويتيون مثل الطباعة والخدمات وغيرها يعزف عنها المواطنون.

اذن كل تلك البهرجة الإعلامية تنحصر في بعض الوظائف الاستشارية وخاصة القانونية التي يتبين بأن لهم الحظوة في مرتبات مرتفعة قياسا بالوظائف الادارية التي يشغلها الكويتيون على سلم الدرجات العامة، علما بأن الكثير من هؤلاء المستشارين من جهاز القضاء المصري، ومن هنا يتبين ايضا بأن هذا التضخيم انما هو راجع لقرارات الاستعانة والعقود الحكومية لهؤلاء المستشارين فقط، لقد عملت شخصيا في القطاع الحكومي بدرجة قيادية عليا، وذلك يمنحني الحق في نقل تجربتي الخاصة التي لابد من الإفادة بها لتوضيح بعض من تلك الحقائق، ان كل المؤسسات الحكومية بحاجة ماسة للمستشارين القانونين والماليين بصفة خاصة، وذلك للعديد من الاسباب أهمها تفادي المخالفات الادارية والمالية التي تنتج في الأغلب من الترهل والتعقيد البيروقرطي علاوة على الفساد الذي يمارسه بعض القياديين لتنفيذ ما يرغبون به التفافا او تجاوزا على القانون، فيصبح وجود هؤلاء المستشارين اما تصويبيا لبعض القياديين الإصلاحيين او تبريريا للبعض الاخر من الفاسدين، كما ان كثرة القضايا التي يرفعها الموظفين المتظلمين بحق او دون حق تحتاج الى طاقم قانوني متخصص يقوم بالتصدي لها، حيث إن جهاز الفتوى والتشريع قد أصبح في اغلب الأحيان ناقلا لصحائف الدعاوى وليست صانعا لها، وذلك بسبب كثرة القضايا وقلة الكادر الوظيفي المطلوب، وبطبيعة الحال، فإن أسباب ذلك الترهل الاداري والبيروقراطي والفساد والتخلف لا يتحمله الوافدون بل يتحمل وزره من ينتصب خلف دفة القيادة في المؤسسات الحكومية، وقد يقول احدهم، لماذا لا يوظف الكويتيون في تلك الوظائف؟ وهو سؤال مستحق من دون شك، لكن الموظفين الكويتيين، من خلال خبرتي، هم على ثلاثة أصناف. الصنف الأول هو المثابر والعامل بصمت والمتفاني الذي يصل لحد الإبداع وهم قلة لا تتعدى نسبتهم عن 10%، وهناك ما يعادلهم او يزيد عنهم ممن لا نفع منه اطلاقا من قبيل الاعتماديين ومن ذوي الأداء المتواضع جدا، اما الاغلبية بينهما فهم يصدق عليهم لقب المحبطين السلبيين، وهذه الشريحة الثالثة متأثرة بالبيئة الوظيفية والإدارية التي تحيط بهم والتي لا يراعى بها معايير العدالة وتكافؤ الفرص والمساواة، بل تحل مكانها المحسوبية والواسطة والزبائنية، لذلك، نجد ان قيم العمل التي يحملونها تعاني من اختلال كبير تجعلهم في سجن تلك الشريحة طوعا او كرها، وبهذا الواقع لا يمكن النهوض بالعمل المؤسسي على النحو السليم بوجود قلة قليلة ممن هم في الشريحة الأولى، اما بالنسبة للقانونيين والماليين المتخصصين والمهرة من الكويتيين فنجد اغلبهم لا يرغبون في العمل في القطاع الحكومي لأسباب كثيرة منها ضعف المردود الذي يساويهم بالبقية على سلم الرواتب الحكومي، من جانب آخر، فهناك عدد كبير ممن لديهم شهادات بالقانون والشؤون المالية لا يريد ان يتعلم او انه فاقد الأهلية للتعلم خاصة ممن اتي بشهادة كرتونية من بعض الجامعات الخارجية، إذن المشكلة في كل ذلك التيهان في التخلف الاداري ليست في الوافدين، بل انها تقف بوضوح على مدى أهلية القياديين وقابليتهم الى جانب البيئة الفاسدة التي تستشري بها كافة آفات عدم المساواة والعدالة.

من خلال خبرتي في القطاع الحكومي، وجدت ان المذكرات والقرارات والرسائل والتقارير لا يكتبها في الأغلب هؤلاء القياديين ليس لان ليس لديهم متسع من الوقت بل لانهم لا يتقنون الكتابة لمثل تلك التقارير والمذكرات والرسائل التي هي من صلب عملهم، فيعولون على غيرهم من الموظفين الذين اغلبهم لم يتدرب على مثل تلك المهارات او لا يريد ان يتعلمها، فيتم اللجوء لموظف وافد لأداء العمل، في كل تلك الظروف والمعطيات لا يمكن إلقاء اللوم على الوافدين انما يقع على القائمين منذ سنوات متراكمة على صناعة القرارات والذين هم بالأصل قد وصل اغلبهم لمنصبه عبر «قانون» المحسوبية والطرق الملتوية التي تعتم الكثير من رؤوس القيادات الحكومية.

ان الفشل المتفشي في كافة المستويات الوظيفية من الموظف الصغير الى بعض القياديين الكبار بالدولة، وبوجه خاص ممن فشل في تحقيق التنمية البشرية والإدارية على مدار سنين طويلة، هو فشل تراكمي لا يتحمله الوافد الذي اتى بناء على حاجتنا اليه ودعوتنا له، ولم يقفز علينا عابرا للسور، او متجاوزا المرور، فعلام نوجه سهام اللوم للوافد؟ وهل اصبح حالنا حال المثل الكويتي «أبوي ما يقدر الا على أمي»!

لنكن صريحين اكثر ونتساءل، من هو خلف الانحدار في مستوى الأداء المؤسسي، ومن هو الذي يستخدم المحسوبية والفئوية والزبائنية كي يقفز على حقوق غيره، ومن هو الذي يقسم بالله بانه سيحافظ على أموال الشعب ثم يسرق، ومن هو الذي يختارهم وينتخبهم، ومن هو الذي ساهم في هذا الانفجار السكاني من فئة العمالة المنزلية التي بلغت اكثر من نصف تعداد المواطنين، ومن هو الذي يجلس خلف طاولته محتسيا لفناجين الشاي والقهوة واحدا تلو الاخر ويناظر ساعته كي يخرج من الدوام الرسمي دون ان يكون له إنتاجية، ومن هو الذي وضع الخطط والمشاريع ثم أهمل إنجازها؟ كل تلك الاسئلة وغيرها مستحقة ايضا لمن يريد ان يقارع الحجة بالحجة، لست مدافعا عن وزيرة التنمية التي اختلفت معها في مرات عديدة، ولكن للحق وليس الا الحق فهي لا تتحمل كل تلك الرزايا لوحدها، انما الذي يتحملها هو من تراكمت عليه ديون المساءلات السياسية، كما ان المسؤول ايضا هو ذلك المواطن الذي أفرط بثقافة لوم الاخر، وثقافة عدم المبالاة، وثقافة التقاعس، وثقافة الواسطة فوق القانون، وثقافة الموظف الكويتي الذي لا يفصل حتى لو لم يواظب على عمله لسنوات، ان كل تلك الثقافات البالية تطورت وتآلفت حتى باتت تشكل أعرافا وظيفية هدمت التميز وقتلت الإبداع، وأقصت الأكفاء، وهمشت الأمناء وأضعفت الأقوياء.

لنكن اكثر صراحة، وان لم يكن لدينا الاستعداد اليوم لتك الصراحة فلن نتجاوز الأزمات الآخذة في الاشتداد يوما بعد يوم، لنكن صريحين مع أنفسنا اكثر وبتجرد لكي نجيب على الاسئلة الواردة وعن غيرها ولكي نرى الحقيقة كما هي وليس كما تسول لنا بعض أنفسنا الإمارة بالسوء، ان الاستمرار في التنبيش في بعض القرارات الخاصة ببعض الوافدين لكي نصنع منها «رواية اللوم والإسقاط على الاخر» سوف لن تصنع وضعا متميزا، بل ان البحث عن التميز من خلال تغيير تلك القيم والاعراف الوظيفية هو السبيل الصحيح للتطور والبناء، ولنتذكر بأن الكثير من الوافدين لهم كرامة ولهم احترام وفدوا إلينا بناء على دعوتنا لهم، وقد افنى الكثير منهم زهرة شبابه في العطاء لنا فعاش بيننا مخلصا وفيا، وليس من عاداتنا نحن الكويتيين ان نتمنن او ان نتنكر على من أقدم إلينا وقدم لنا، فالكويت قد احتضنت كبار العلماء مثل فؤاد زكريا، وامام عبدالفتاح، وسامي خليل، وشاكر مصطفى، وعبدالرزاق السنهوري، وكمال المنوفي، ومحمد سيد سليم، رحمهم الله علاوة على غيرهم من علماء أفذاذ قدموا لنا خلاصات ألبابهم التي لا تقدر بثمن، لنتذكر ذلك.