بقلم \ غنيمة حبيب
 كاتبة كويتية
 
يعيش معظم شبابنا في هذه الأيام حالة من عدم الثقة بكل ما يقدم من فكر ومبادئ وقيم، بل نجد الكثير من أبنائنا بات ينظر إلى الأحداث التاريخية على أنها مجرد خرافات لا تنتمي إلى الواقع، ويرون بأنها أكاذيب ألفت من قبل بعض المؤرخين الذين عاشوا في زمن التكسب والنفاق ونسب الفعل لغير أهله.
 
هؤلاء الشباب وصلوا إلى تلك الحالة نتيجة لما يروه في واقعنا الحالي من تناقض وانقسام، وعدم امتثال للقيم والمبادئ التي ينادون بها، وهذا ما يدعوني للقول بأن مسؤولية ما وصل إليه شبابنا تقع على عاتقنا نحن، فنحن المدرسة التي يستشف منها الشباب الدروس والعبر.
 
إن عصرنا الحديث يشهد أزمة كبيرة في الامتثال لتطبيق المبادئ، ويفرز تحولا خطيرا في القيم التي ورثناها عبر قرون، وولادة لقيم جديدة لم تكن يوما لتتناسب مع تراثنا ومعتقداتنا، فما الذي يدعونا اليوم لإنكار هذا التراث والتوجه نحو النقيض؟ ما الذي أودى بشبابنا لاكتساب عادات وتقاليد دخيلة على مجتمعنا؟
 
إننا نحن, وليس غيرنا, من يدفع بأبنائنا تارة للتعصب والتطرف, وأخرى للإلحاد وتارة ثالثة للانحراف وضياع البوصلة والابتعاد عن معتقداتنا. إن تهربنا من الامتثال للقيم وتطبيقها ولد لدى شبابنا هذا الإحساس بعدم أهميتها، وأجدنا نقول شيئا ونفعل شيئا مخالفا لما نقول، فكيف تؤمن بنا الأجيال وقيمنا لم تعد سوى نظريات وأفكار الغرض منها التشدق والمبارزات الكلامية؟
 
لقد بات الحق نسبيا لدى الكثير منا، بل ينظر إليه على أنه مجرد وجهة نظر يؤخذ بها أو لا يؤخذ، والحقيقة أن الحق ثابت لا يتغير ولا يتلون ولا يتفاوت ولا ينقسم، لكنه الإنسان وما تسول له نفسه بأن الباطل الذي يعود عليه بالمنفعة هو الحق، وأن الحق الذي لا منفعة منه هو الباطل. مصالحنا إذن باتت هي الحد الفاصل بين الحق والباطل، ومصالحنا هي التي تحدد أفعالنا وتصرفاتنا ومواقفنا.
 
في الماضي القريب كان البحث عن المصالح الذاتية عيبا كبيرا في مجتمعنا، ولم يكن أي منا يجرؤ على القول بأنه يبحث عن مصلحته ومنافعه الفردية، بينما نجد اليوم المجاهرة في البحث عن المصالح أمرا طبيعيا، وربما يكون ذلك محمودا لدى الكثيرين بغض النظر عن القيم والتقاليد، أما المبادئ فهي بالتأكيد باتت لا تجلب على صاحبها سوى الخسارة.
ولم يتوقف مصطلح «المصلحة» على الأفراد العاديين أو العامة من الناس، بل أصبحنا نجد بعض القامات الكبيرة، والشخصيات السياسية والقيادية التي كانت تمثل القدوة تنجرف خلف هذا المصطلح العجيب، وتقدم « المصلحة» على أنها غاية سامية تبرر من خلالها تصرفاتها دون خجل من ماضيها المشرق، وسيرتها المشرفة.
 
الأمر شديد الخطورة، فنحن بتصرفاتنا هذه نمهد لإنتاج جيل منسلخ عن تراثه، ولا يؤمن إلا بمصالحه ومنفعته، وسوف يسجل التاريخ ما نحن به من تخبط وسوء دراية وإدارة، وسيكون انهيار المجتمع وتفككه مسألة وقت ليس إلا.
 
إن أبسط حقوق أبنائنا أن نبين لهم الحق ونحثهم على اتباعه، ولعل الكثير منا أصبح إيمانه بقدوته يتزعزع مما يراه من تحولات في القيم والمبادئ، ويجد نفسه عاجزا عن مساعدة أبنائه في توضيح الحق وتعيين أهله، فمعظم من عرفناهم بالنزاهة والترفع عن الدنيا ومنافعها باتت مواقفهم تتلون وتتبدل وفق معايير خاصة لا تمت للحق بصلة من قريب أو بعيد.
لقد طالبنا الله سبحانه وتعالى باتباع الحق بعيدا عن الأهواء والمصالح، فقال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :»ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض» (المؤمنون:71)، علينا إذن أن نتمسك بما أنزل الله تعالى من أحكام وتشريعات، وليس علينا أن نتبع أشخاصا قد يتبعون الباطل دون إدراك أو وعي لمخاطر تصرفاتهم مواقفهم، وانعكاس آثارها السلبية على شبابنا الذين هم مستقبل بلدنا.
 
g.h.karam@hotmail.com