شهدت الساحتان السياسية والشعبية حالة من الجدل غير المسبوق حول الأبعاد القانونية والتاريخية والجغرافية للجزر المصرية (تيران وصنافير)، ولكن ظل التساؤل الأهم "لماذا في هذا التوقيت يتم عقد اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية؟"، هو ما دفع البعض لطرح العديد من علامات الاستفهام حول أبعاد الاتفاق.
(1)
منذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز لحكم المملكة، وبدئه في تطبيق إعادة هيكلة صيغة الحكم في المملكة بالدفع بالجيل الثاني من أبناء "عبد العزيز" إلى سدة الحكم وإعادة ترتيب أروقة القصر الملكي ومراكز الحكم بالمملكة، فتم الإطاحة بالحرس القديم في الديوان الملكي والعديد من أمراء المناطق وبعض الأجهزة السيادية، بعزل رئيس الديوان الملكي وتعيين رئيس جديد لجهاز المخابرات السعودي (لأول مرة من خارج الأسرة الحاكمة)، وتمكين بعض الأمراء المحسوبين على ما يسمي بأسرة (السدريون) للعديد من المناصب الحكومية، فتم تعيين الأمير محمد بن نايف ولي ولي العهد، ثم جاءت المرحلة الثانية من إعادة الهيكلة أو بالأحرى إعادة رسم خريطة الحكم في المملكة بمحاولة إتاحة المجال (لجوهر) عملية الترسيم (الأمير محمد بن سلمان)، بتصعيد الأمير محمد بن نايف لمنصب ولي العهد (ليس بهدف أن يكون البديل للحكم)، ولكن بهدف إتاحة المجال لتصعيد الأمير محمد بن سلمان وليًّا لولي العهد، ولكن موازين القوى داخل المملكة أصعب من إعادة ترسيمها بشكل سهل فتم الإبقاء على الأمير متعب بن عبد الله وزيرا للحرس الجمهوري "القوة العسكرية الأقوى"، داخل المملكة واحتفظ الأمير محمد بن نايف بمنصب وزير الداخلية، ودفع الأخير بوكيل وزارة الداخلية لمنصب رئيس جهاز المخابرات بالمملكة، شكل ذلك تحديًا أمام الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع.
وقبل الاستغراق في التفاصيل، يطرح القارئ تساؤلًا: "ما هي علاقة تلك التفاصيل بموضوع الجزر؟".
بالنظر في مشهد توقيع الاتفاق نجد ممثل الجانب المصري هو رئيس الوزراء "شريف إسماعيل"، ومن الجانب السعودي "الأمير محمد بن سلمان"، وما المشكلة؟ فمن حيث الشكل يقابل منصب رئيس الوزراء في مصر ولي العهد في المملكة وليس منصب ولي ولي العهد، وتوقيع الأمير محمد بن سلمان على الاتفاق يعزز من نفوذ الأمير وشعبيته داخل المملكة، وبشكل مبسط، وبالنظر في دور الأمير محمد بن سلمان نجد اتساع دوره ما بين قائد المهمة في اليمن واللاعب الرئيسي في تشكيل "التحالف العربي العسكري في اليمن" ومؤسس"الحلف الإسلامي العسكري"، والمشرف على الأزمة السورية، ومنسق العلاقات الأمنية بل والسياسية مع العديد من دول المنطقة، ومهندس المصالحة المحتملة بين مصر وتركيا، والمشرف علي ملف التفاوض مع حزب التجمع من أجل الإصلاح (الجناح السياسي للإخوان المسلمين) في اليمن، ومع تأزم العديد من الملفات وخصوصا الملف اليمني، سعى الأمير محمد بن سلمان لتحقيق انتصار بإعلانه التوصل إلى اتفاق مع مصر حول الجزيرتين (تيران وصنافير).
(2)
تراجع اهتمام الولايات المتحدة الامريكية بمنطقة الشرق الأوسط منذ وصل الرئيس أوباما إلى سدة الحكم، في وقت تتزايد حدة الصراع بالمنطقة سواء كانت صراعات داخل دول الإقليم (اليمن- سوريا- ليبيا) نموذجا، أو صراعات إقليمية (إيران – السعودية)، ومع تنامي حدة الصراعات الإقليمية وخصوصا ما بين المملكة العربية السعودية وإيران التي انعكست على مجمل الصراعات داخل الدول بالمنطقة على خلفية توقيع الاتفاق النووي بين (إيران ومجموعة 5+1)، وحدوث شبه انفراجة وتحسن نسبي في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وفي المقابل تراجع الدور الأمريكي في المنطقة بدأت المملكة العربية السعودية السعي لإعادة ترتيب العلاقات الأمنية في المنطقة طبقا لمهددات الأمن القومي للمملكة وهي علي النحو التالي المهدد الأول: إيران، المهدد الثاني:
الكتائب المسلحة الشيعية، المهدد الثالث: الجماعات المسلحة السنية "داعش"، فأولويات المهددات الأمنية لدى المملكة العربية السعودية تقترب بشدة من مهددات الأمن لدى تركيا وإسرائيل، وهو ما دفع المملكة العربية السعودية لإعادة صياغة الأوضاع الأمنية في المنطقة. ويعزز هذا التحرك تزايد الفجوة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل منذ أكثر من خمس سنوات، وهو ما جعل البعض داخل الولايات المتحدة الأمريكية بل والمجموعة الأوروبية يطرح مصطلح (العبء الإسرائيلي)، تجاه المصالح الأمريكية، وهو ما دفع "إسرائيل" للبحث عن بدائل آمنة في الإقليم.
ويأتي نفس التساؤل من القارئ ما علاقة تلك التفاصيل بموضوع الجزر؟ أستأذن القارئ أن نكمل الفقرة الأخيرة.
(3)
يعلن الرئيس الأمريكي "أوباما"، أمام الكونجرس بإعادة صياغة شكل المعونة العسكرية لمصر بداية من عام 2018، للتحول من معونة عسكرية للأسلحة الثقيلة، لمعونة عسكرية لأسلحة مكافحة الإرهاب، ويتزامن ذلك مع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية رغبتها في تقليل أعداد القوات الأمريكية المنوط بها حفظ السلام في سيناء والتي تقدر بـ(700) جندي أمريكي، واستبدال تمركز تلك القوات وخصوصا في شمال سيناء بأجهزة ومعدات للمراقبة سواء عبر الجو بالمسح الجوي أو عبر أجهزة ثابتة في بعض المناطق على الحدود مع الأرض المحتلة للمراقبة، والإبقاء على عدد محدود من تلك القوات لا يتجاوز 25%، يتم الدفع بهم في جنوب سيناء.
فالحديث عن خفض عدد القوات الأمريكية المشاركة في حفظ السلام في سيناء وانسحابها من شمال سيناء وإعادة الانتشار والتمركز والاتفاق على صيغة جديدة في الجزر يتطلب إعادة صياغة الملاحق الأمنية لاتفاقية" كامب ديفيد"، والتي يتم الاتفاق عليها الآن، ومن جانب آخر طرحت الولايات المتحدة الامريكية منذ عام تقريبا الدفع بقوات أمريكية بالتعاون مع الأردن واسرائيل والمملكة السعودية ومصر لحفظ أمن البحر الأحمر.
(ملاحظة: الأمير محمد بن سلمان يصل المملكة الأردنية في أعقاب التوقيع على الاتفاق مع مصر).
وهنا يحق للقارئ أن يطرح التساؤل المشروع ما علاقة تلك التفاصيل بموضوع الجزر؟
إن أزمة الجزر المصرية (تيران وصنافير)، ترتبط وبشكل مباشر بإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في المنطقة من حيث توسيع قاعدة ما يسمي (السلام) مع (إسرائيل)، وإعادة صياغة التحالفات العسكرية في المنطقة بالاعتماد على دول المنطقة وليس الاعتماد على الولايات المتحدة الامريكية، وحتي يتحقق ذلك لا بد من منفذ مباشر لبعض دول فتكون سوريا منفذا لتركيا، وتكون الجزر المصرية منفذا لإسرائيل.
وفي النهاية تأتي تساؤلات عدة: هل أولويات مهددات الأمن القومي المصري تتفق مع أولويات المهددات الأمنية للمملكة العربية السعودية؟ أعتقد أن تلك النقطة هي جوهر الأزمة التي يمكن أن تحدد ملامح التصور السعودي في المنطقة، يضاف إلى ذلك الموقف (الإسرائيلي) تجاه تصور المملكة العربية السعودية الأمني؟ وما مخرجات اللقاءات والاتصالات بين الجانبين على مدار عام؟ وما ملامح الملحق الأمني الجديد بين "إسرائيل" ومصر، هذا كله ما يمكن أن نجيب عليه لاحقا، تحت عنوان (ما لم يقله الرئيس والمعارضة حول الجزر المصرية)، إذا كان في العمر بقية.