قلم رشيق وقلب طفل.. تميزه "الكوفيه" الحمراء وال" بلغه" الفاقوسي البيضاء

شفيق احمد علي .. الصحفي عندما تسكنه النزاهه!
بقلم : محمود الشربيني
-----------------------

قبل أن نقرأ:نحن الآن في حضرة " روزا اليوسف".. والآباء العظام المؤسسين لهذه المدرسه!

نحن الآن نتنسم عبق الماضي .. وعطر تاريخ صلاح حافظ وعبد الرحمن الشرقاوي وحسن فؤاد وصلاح جاهين واحمد بهاء الدين...

نحن نتحدث عن "شفيق أحمد على" .أشعر بروحه الجميله تحيط بنا الآن.. كاتباً وقراءً يصافحون هذه السطور. وكيف لا وروح الصحفي والكاتب اللامع شفيق أحمد على تسكن هذا المكان ( روزا اليوسف) ..مثلما كان هو مسكوناً به ومسكوناً بعشق مهنة البحث عن المتاعب .

الكتابه عن الصحفي شفيق احمد على مسأله "سهله" .. لكنها السهوله الممتنعه.. فعلي بساطته الشديده وطيبته المفرطه وشهامته النادره و"حس الصحفي" المتوثب بداخله .. إلا أنه كان مفرط الحساسيه .. ويزأر كالأسود إن أقدم أحد على أن يمس أمنه وسلامه الداخلي بسوء! كان أمنه وسلامه باختصار مرادفان ل" وطنيته" الشديده. لم يكن يهادن في هذه القيمه أبداً..كانت " الوطنيه" - إلي مقياسه في النزاهه والامانه الصحفيه- مقاييسه ومعاييره الخاصه في التعامل مع الجميع .. فإن سقط أحد في فخ "التطبيع" .. إشتعل "شفيق" وأصبح كتلة من نار تقذف حممها بلا هواده وبغير توقف.ولعلنا نذكر كيف كان يخوض المعارك مع زملاء المهنه ممن خالفوا قرارات الجمعيه العموميه لنقابة الصحفيين بعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني( وأبداً أبدا لم يكتب شفيق كلمة اسرائيل في حياته).

كان أسطورياً في بساطته وعفويته.. "روح" جذابه تأسرك وتمسك بشغاف قلبك فلايمكنك الإفلات من  أسر جاذبيته ..إطلالته لاتخطئها عين .. قوام فارع كالفراعين.. يمتليء بفورة الشباب حتي في سن الستين.. وكوفيه حمراء تميزه في عز الشتاء وبلغه فاقوسي بيضاء وبنطال أبيض مع " بلوزه قطنيه" بيج يقاوم بها حرارة أجواء الصيف .. وحضور طاغ تستشعره بمجرد أن يهل عليك بابتسامته العبقريه وضحكته الطفوليه .. وعيناه اللامعتان المتقدتان المتفرستان في الأحباء والأصدقاء والزملاء .. وكلمة "الله"التي يقولها من أعماقه مع إيماءة  رأس خفيفه تنبئك عن إعجابه وموافقته .

لم يكن له مثيل قط في الوسط الصحفي.. "طله" لاتشبه أحداً.. وحباً كبيرا للجميع لايعكر صفوه سوي مقياسه ل" الوطنيه".. بالإضافه إلي مقياس من نوع آخر وهو التخلي عن " النزاهه" والأمانه الصحفيه.

عرفت شفيق أحمد على في بلاط روزا اليوسف..سمعت عنه من الرسام وفنان الكاريكاتير الراحل رؤوف عياد..كان- شفيق- عائداً للتو من رحله صحفيه في إرتريا ( تقريبا).. وكان راغباً في شراء سياره .. ووقع في هوي "المرسيدس".. وأشفق عليه رؤوف عياد من فداحة وكلفة أسعار الصيانه وقطع الغيار.. ودارت في هذا الإطار أحاديث كثيره.. بعدها رأيته في الأسانسير فأمسك بتلابيبي من أول ابتسامه .

جمعتني معه العديد من المواقف المهمه ، كثيرها صحفي وعميقها إنساني.. فقد شهد معنا ( الأستاذ عادل حموده والراحل عصام اسماعيل فهمي وشقيقه سمير وأنا) أول مراجعه جرت في مكتب "عصام" لكتابي الأول( نواب الكيف) الذي أدين بالفضل في صدوره للأستاذ عادل حموده .. الذي  شرفني بطلب  نشره عبر دار سفنكس وكان مستشارها الصحفي، وراجع الاستاذ عادل الكتاب كله، ثم وجهني إلى اعادة صياغته بطريقه أخري .. كما شهد- شفيق- أيضا يوم أن إجتمعنا للاحتفال بصدور نسخة الكتاب .. وهنا تجلت إنسانيته و(جليطة بداياتي!)

قال عصام اسماعيل فهمي- وكنا في مكتبه- انه جلب ثلاثة نسخ فقط ..ورغم أنه كان من الطبيعي أن أهدي الاستاذان شفيق وعادل نسختين من النسخ التي قدمها لي عصام ، إلا أنني وجدتني أقول ضاحكاً في بلاهه موجهاً حديثي لعصام فهمي: نسخة الأستاذ عادل تهدي اليه من دار سفنكس!

وأسقط في أيدي شفيق..فلما وصلت بيتي.. فوجئت به يتصل بي معنفا وبشده.. وهو يستغرب ماجري مني.. وهنا أدركت خطئي الفادح .. وإن هي إلا دقائق معدودات ،حتي كنت أمام شقة الأستاذ عادل في مصر الجديده مقدما له اعتذاري ونسخة كتابي مقرونة بسطور عرفاني وتقديري له.

كنت كلما دخلت علي شفيق في مكتبه بروزا اليوسف أجده قد قرأ كل الصحف..وملأ الصفحات بملاحظاته ووضع خطوطاً تحت فقرات بعينها ، كان يأمل في معالجة مافيها من أخطاء .. أو استكمال ماشابها من نقص.. خصوصا في القضايا التي تمس المواطن البسيط .. وقضايا الفساد التي كانت تشغله باستمرار وتحرك شهيته للكتابه .. فلم يكن غزير الانتاج أو مفرطاً في الكتابه .. فقد كان يحترم الحرف ويعشق الجمله الصحفيه ويكتب برشاقة الفراشه وقذيفة البندقيه.. وكانت وسوسته في الكتابه سلاحا ذو حدين، فقد جعلت مايكتبه عذباً شديد العذوبه ،حتي وإن " كانت القضيه قبيحه وسمجه و" مكلكعه"! وجعلته أيضا يتهيب الكتابه وكلما همّ بمعالجة قضيه صحفياً وسوست له نفسه بالتروي يوما بعد يوم !

شفيق أحمد علي .. كان أحد أبرع تلامذة صلاح حافظ .. ،ومثلما تعلم عادل حموده من"! عم صلاح" قيمة الكتابه الجميله فان شفيق تعلم نفس القيمه واسلوب الكتابه الصحفيه الذي ميز كليهما دائماً.

تضامن معي أيضاً في اكبر محنه صحفيه واجهتني في حياتي المهنيه..وهي محنتي مع الكاتب الكبير مصطفي أمين.. ولذلك قصه تروي:

بخروج الاستاذ مصطفي أمين من سجنه بعفو صحي من الرئيس السادات ، بعد أن أدانه القضاء في قضية التخابر مع الأميركيين ، وكشف علاقته وتسجيل أحاديثه مع ضابط المخابرات الاميركي " بروس أوديل" زمن الرئيس ناصر.. فإن مصطفي امين ومؤسسة أخبار اليوم شنوا هجوما ضارياً علي عبد الناصر ووصموا عهده بكل وصمه ونقيصه.. فتصدت له مؤسسه روزا اليوسف وكان الكاتب الراحل عبد الله إمام في الطليعه ، فنشر حلقات عن قضية جاسوسية مصطفي أمين ، ثم أصدرها في كتاب يحمل هذا العنوان .. ووجدتُ أنها قضيه تستحق النقاش والمواجهه مع الكاتب الكبير، الذي كان ثاني الإثنين الألمعين في بر مصر الصحفي ( هيكل ومصطفي أمين). كنت قد التقيت الأستاذ مصطفي غير مره في حوارات عن " عيد الأم" و" عيد الحب" وهما مناسبتان شعبيتان إخترعهما ، وإذ أضاف إليهما فكرة " ليلة القدر"التى جمع عبرها تبرعات بالآلاف ،ساعدت عشرات الطلاب والمحتاجين ، وكانت طريقه الي الخلود،لولا أن تلامذته " نسفوها" من بعده..إلا أنه في هذه المره رفض دعوتي للحوار ..تقريباً.. فقد حدد للقائي موعداً بعد شهر!وبتدخل الكاتب الراحل مصطفي شردي رئيس تحرير الوفد أمكن تقليص الموعد إلي أسبوع واحد فقط، و تم نشر الحوار في الوفد والانباء الكويتيه في وقت واحد كعادتي في كل موضوعاتي ذات الطبيعه الخاصه.. ولكن الوفد- بعكس الانباء- افردت صفحه ونصف الصفحه فقط للحوار الساخن واجتزأت منه فقرات رآها الأستاذ مصطفي مخله بالسياق، ويبدو فيها " هيكل" الأعلي كعباً عليه.. فنشر في عموده الشهير "فكره" مقالاً وصفني فيه "بالقزم الذي يحاول التعملق علي حساب الكبار"..نافياً تماما أن يكون قد التقاني أو أجري معي حواراً .. وأمسك الكاتب موسي صبري بالخيط ليستغله في حرب التشهير التي كان يخوضها مع " جريدة وحزب الوفد" فاعتبر أن كلام مصطفي أمين " ناسفاً " لمصداقية الصحيفه ،واتهمها بأنها لم تتورع عن التدليس حتي على الأب الروحي لها..فقد كان مصطفي امين موجودا في كواليس تأسيسها وهو من رشح مصطفي شردي لرياسة تحريرها!

كانت محنه بحق كادت تنسف حياتي المهنيه في بداياتها ولو انني احتفظت بتسجيلات وصور للحوار ، أعددنا منها -  مكتب جريدة الانباء الكويتيه بالقاهره- نسخاً وارسلناها إلي الكتاب الكبار وووزير الإعلام ورئيس هيئة الاستعلامات وإلي موسي صبري ومصطفي أمين لكان قضي على تماماً.. وانتهت المحنه باعتذار علني مكتوب في الصفحه الاولي من جريدة الاخبار وكتب الاستاذ شردي رحمه الله القصه كامله رغم حرج الموقف وبرأ ساحتي وأدان الاستاذ مصطفي أمين بلباقه !

أما شفيق أحمد أحمد علي فأرسلت له رساله بالواقعه ، فما كان منه ألا أن نشرها كاملة  قائلاً أنه لايملك في هذه المحنه او المهزله الصحفيه إلا أن يتضامن معي بأن  " يفسح لرسالتي  كل مايملكه في الصحيفه" وهو عموده الذي كان يكتبه فيها"!

عاش شفيق أحمد علي.. هكذا كتبت بعد رحيله ، فمثله لايموت ، ومثله تبقي روحه بيننا فقد كان "صاحب قضيه" كما كتب عنه معلقاً صديقي الكاتب والشاعر محمد جاد هزاع.. الذي طالبني بالكتابه عنه باعتبار علاقتي الروحيه به، في نفس الوقت الذي كنت أُعِدُ فيه في قلبي هذه السطور. وأما فريد أبوسعده الشاعر الكبير المعروف فأشعرنا بحجم الفقدان  فكتب يقول : ياإلهي .. رحل شفيق يا إلهى . رحل شفيق ؟! اللهم ان هذا اكثر من احتمالنا وانت الرحمن الرحيم . الى اللقاء يا اجمل الاصدقاء.

  وكتب الدكتور اسامه ابوطالب يقول:في ذمة.الله صديقنا العزيز ورفيق عمر ورحلة .. عشت شجاعا بالفعل متواضعا مكافحا وصادقا متوحدا مع ذاتك بصدق و دون ادعاء . لم تكتب سوى ما اقتنعت به ولم تأخذ قرار المصلحة أو مكسب . لك الرحمة والمغفرة يا شفيق ولاسرتك خالص الصبر وجميل السلوان . البقاء لله وحده .

وقال الصديق الكاتب الصحفي كمال جاب الله:حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم. اللهم أعطنا الصبر والقوة  على تحمل فراق اخى وحبيبي شفيق.

وكتب الدكتور كمال مغيث يقول:شفيق احمد على .. رحمه الله .. كتب عن محنة سليمان خاطر .. وقريته اجهورة والسلام الخانع فى كامب ديفيد .... كتابا قرأة كل جيلي ... كان كاتبا عظيما .. ربنا يصبر محبيه ويعوضنا عن فقدانه.

وقال زميلنا الصديق نصر القفاص:الله يرحمه ..عاش صادقا محترما ... ومات امينا مع وطنه.

بعد أن قرأتم :ألم أقل لكم عاش شفيق أحمد علي!