fiogf49gjkf0d
برامج الـ "توك شو" والرئيس المنتظر // مجدي طلبة //
سبحان مغير الأحوال، تبدل حال الأسرة المصرية تماماً فبعد أن كانت تنتظر حلول المساء بفارغ الصبر لتلتف حول شاشات التلفاز لمشاهدة مسلسل الساعة السابعة أضحت الآن تعبأ فقط بالبرامج الحوارية أو ما يطلق عليها الـ "توك شو" بغية متابعة القضايا والشئون المحلية واللقاءات والحوارات مع المرشحين للرئاسة المصرية الذي بلغ التنافس بينهم أشده خلال الأيام القليلة الماضية سعياً لتأمين أكبر عدد ممكن من الكتل التصويتية.
لا صوت يعلو الآن في مصر فوق صوت برامج الـ "توك شو" الحوارية المتأججة هذه الأيام حيث أصبح لزاماً على جميع المصريين بمختلف أعمارهم واهتماماتهم وحتى غير المصريين من المهتمين بالشأن المصري التنقل من قناة إلى قناة على "نايل سات" للمفاضلة بين "مصر تختار" و "مصر تنتخب" و "موعد مع الرئيس" وغيرها من البرامج التي تعرض في المساء على شاشات القنوات الفضائية المصرية الخاصة والتي نجحت في خطف الأضواء من قناتي "الجزيرة" و "العربية" في تغطية كافة الأحداث والقضايا الخاصة بمصر خصوصاً سباق الرئاسة. الملفت للنظر هو أن المتابعين لـ "توك الشو" تولد لديهم شعور بأن الرئيس القادم لمصر تم تحديده بل وصناعته عبر هذه النوعية من البرامج حيث تتحكم في خفض ورفع أسهم شعبية المرشحين من خلال محاورة البعض دون الآخر أو عبر استضافة بعض الكتاب و"المحللين الاستراتيجيين" الذين برعوا في صناعة نجوم قادرين على الوصول إلى مناصب رفيعة المستوى، وكذا الإطاحة بآخرين. ليس من المبالغة القول إن البرامج الحوارية أضحى لديها قدرة فائقة على توجيه وتحديد بوصلة عدد كبير من القضايا والأمور الداخلية، وأحياناً تشويه صورة آخرين إما للتعارض الفكري أو الأيديولوجي وإما لأغراض سياسية، ناهيك عن إلقاء الاتهامات الجزافية دون سند أو دليل قانوني. المشهد الحالي لبرامج الـ "توك شو" وما يحويه من فوضى غير خلاقة بات ينافس حالة الانفلات الأمني التي تعصف بالبلاد حيث تقوم بعملية تضليل الرأي العام وتزوير الوعي الجماهيري وذلك من خلال تلميع بعض المرشحين للرئاسة وشن عمليات "ضرب تحت الحزام" ضد مرشحين آخرين. تجسد هذا التضليل بصورة واضحة من خلال مناظرة رئاسية بين اثنين من المرشحين الرئيسيين حيث أجريت برعاية أربع مؤسسات إعلامية تجارية يملكها رجال أعمال لهم توجهاتهم ومصالحهم الخاصة وهي "قناة دريم" و"أون تي في" و"الشروق" و"المصري اليوم"، والتي حددت نيابة عن الشعب والناخبين بأن السيد عمرو موسى والدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح هما المرشحان الجادان الوحيدان، وأن بقية المرشحين ليسوا بالقدر ذاته من الأهمية والجدية، وذلك على الرغم من أن المناظرة كانت عموميات في عموميات حيث كانت الأسئلة عامة والأجوبة أكثر منها عمومية وغابت الأرقام والإحصاءات.
باتت عمليات التخدير والتضليل الإعلامي والاغتيالات المعنوية ضد الآخرين مفضوحة ومكشوفة ودائماً ما تفشل في أن تؤتي ثمارها نظراً لأن الرأي العام دائماً ودوماً يميل للمتواضعين ويتعاطف مع من يتعرضون للتجريح والتشويه ولنا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة الدرس والعظة حيث كان الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي قد شن حملة للنيل من منافسه فرانسوا هولاند حيث زعم أن هولاند سوف يختفي في الانتخابات مثلما يذوب مكعب سكر في كوب من الماء، بينما كان هولاند يتسم بالتواضع الجم وكان يصف نفسه بـ "الرجل العادي" وفي النهاية قال الشعب الفرنسي كلمته واختار الشخص الذي شعر أنه متواضع وقريب منه، ومن قبله اختار الشعب الأمريكي الرئيس باراك أوباما على الرغم من تعرضه لحملة انتقاد شديدة وصف خلالها بأنه "أسود ومن أصول إسلامية"، كما أن الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون فاز بالرئاسة مرتين على الرغم مما قال عنه جورج بوش الأب بأن "كلبه يفهم في السياسة أكثر من كلينتون".
ما يحدث الآن على برامج الـ "توك شو" يمكن وصفه بأنه حرب تكسير عظام فهذا تخصص في التفتيش والتنقيب في الدفاتر القديمة وذاك برع في تصنيع وترويج الشائعات والأكاذيب مثل استبعاد أحد المرشحين من سباق الرئاسة أو إصابة آخر بأزمة قلبية أو تنازل مرشح لمرشح آخر، وآخرها السماح لأفراد الجيش والشرطة بالتصويت في الانتخابات. في واقع الأمر كشف الواقع الحالي لبرامج الـ "توك شو" عن حقيقة مهمة وهي أن هذه البرامج لم تدرك بعد أن الشعب المصري قد فاق من غفوته وأنه لن يسمح لأي كائن من كان أن يمارس عليه التدليس أو التضليل أو أن يقرر له اختياراته أو حتى يحدد له مساراته. نتائج الانتخابات الرئاسية ستكون مفاجئة وصادمة للكثيرين وستبرهن على أن هذه البرامج تعيش في واد وأن واقع الشارع المصري في واد آخر، وأن الناخبين المصريين سيفضلون المرشح المتواضع القريب منهم والحريص فعلاً على العمل من أجلهم وتحقيق مصالحهم.