fiogf49gjkf0d
الدكتور إيهاب عبدالغني طبيب الصحة الوقائية والحاصل على الماجستير من لندن
وأمين سر مجلس الجالية المصرية في الكويت سابقا
انضم إلى كتاب الموقع وسيطل عليكم بمقال اسبوعي
فاهلا بالدكتور إيهاب الذي يتمتع بصفاء الذهن وعمق الفكرة
ووضوح الاسلوب.
 
أثرياء الثورة

د. إيهاب عبالغني

iabdelghany68@gmail.com

عندما اندلعت ثورة 25 يناير 2011 وانتهت بتنحي مبارك في 11 فبراير ظن الشعب المصري في الداخل والخارج بأن عصر الرفاهية والرخاء قد بدأ وخرج شباب الثورة الجميل الواعد يجمل ميدان وشوارع مصر وبدأت علي المواقع الاجتماعية علي شبكة الانترنت وخصوصا علي الفيس بوك في تكوين مجموعات لاعادة هيكلة المجتمع المصري في كل المجالات وانهمرت سيول الافكار والابداع لكي تخرج مصر من الظلمات الي النور وعزف شباب مصر سيمفونية رائعة في حب الوطن أبهرت العالم أجمع.

كان ذلك علي مدي أسبوعين من تنحي الرئيس السابق وكنت وقتها أتعجب من أخر عبارة قالها الرئيس الأمريكي في نهاية خطابه ليلة تنحي مبارك عندما قال "أن الأيام القادمة سوف تكون صعبة علي المصريين" .. كيف تكون الأيام صعبها وكل هذا الحب الجارف للمصريين لبلدهم وكيف يخرج المبدعين بأفكارهم علنا لنهضة مصر رغم أنهم تخلصوا فعليا من الحاكم الذي يعتقدون أنه سبب لكل مشاكلهم التي عانوها لثلاثين عاما؟

لم نلبث أن نكمل الأسبوع الثاني حتي بدأت المظاهرات من جديد ... اعتصامات جديدة في ميدان التحرير... مطالب فئوية ... مليونيات ... جمعة لرحيل لرئيس الوزراء.... استقالة رئيس الوزراء ... الانفلات الأمني... البلطجية يفرضون قوانينهم...الدعوة لثورة مصر الثانية 27 مايو... الدعوة لثورة في 8 يوليه...مليونية السلفيين..تحدي المجلس العسكري...الاحتياط النقدي ينفذ...الاستثمارات تهرب.. اصطدامات مع الجيش... الدعوة لثورة في 9 سبتمبر. وهكذا أدركت معني الجملة التي قالها الرئيس الأمريكي.

الواقع يقول بأن ثورة مصر ضد النظام السابق لم تكن بنفس الخسائر المادية والبشرية مثلما حدث في الثورة الليبية أو ما يحدث في سوريا واليمن ومثلما بدأت سلمية انتهت سلمية جانب الثوار بتنحي مبارك... ولكن هناك من خرجوا بعد فترة يطالبون بتصعيد الامور لكي تصل الي حد الاصطدام مع الجيش والدخول في دائرة العنف وحدث بالفعل كذلك والنتيجة هي استهلاك طاقة الجيش والشرطة الامر الذي أدي الي بزوغ نجم فئة البلطجية الذين انشغل عنهم الامن واعلنوا فرض قوانينهم الخاصة وأصبح المصريون يستشعرون أنهم يعيشون في غابة الغلبة فيها للأقوي جسديا والأخبث والامهر في التخفي والهجوم... الغلبة لمن يحمل سلاحا بل الأسوأ أن هناك فئة سوف تظهر بعد فترة أسميها "أثرياء الثورة" وهي البلطجية ممن كان يتم تأجيرهم أثناء الثورة بألاف الجنيهات في اليوم كما نسمع، والهجامين الذين راحوا يستولون علي أقوات الناس الضعفاء في بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم وسارقي السيارات علي الطرق وهم من لم يجدوا رادعا أمامهم ليتوقفوا عن جرائمهم فما كان يحدث هو أن يتم القبض علي القليل منهم ويتم احالتهم الي المحاكم العسكرية ليأخذوا أحكام لعدة سنوات يتم فيها "علفهم" بأموال الشعب الذي سرقوه ويخرجوا بعد نصف المدة في مناسبة دينية أو وطنية ويا حبذا لو تكرر الموقف وهربوا من السجون لأي سبب شبيه بالثورة ليعيدوا الكرة ويصبحوا أثرياء مرة أخري فهم يمتلكون الخطط الشيطانية لمراقبة ضحاياهم وترويعهم وتهديدهم وسرقة ممتلكاتهم بل وإذلالهم وضربهم وسبهم بأقذع الألفاظ ... يمارسون السرقة والقتل والاغتصاب والبطش مثلما يشربون الماء وأصبح كل منهم جيبه مملوء بالحرام يصرف من الحرام ويطعم أهله بالحرام ويلبسون الحرام وهم مقتنعون بما يفعلوه.

المشكلة أن الناس التي إنكوت بنار البلطجة وأقاربهم بدأت تطالب الجيش والشرطة بعدم الرأفة معهم والكثير من الأصوات بدأت تطالب بإعدام البلطجية لتتخلص مصر منهم الي الابد وليكن هذا الحل رادعا أمام من تسول له نفسه ترويع الناس وارهابهم فهم لم يعد لهم مكانا في المجتمع المصري وطموحات الثورة من اصلاح المجتمع والتنمية الاقتصادية لا تحتمل أن يقتل سائحا بذلت الدولة الكثير من الجهد والمال لأجل استقدامه أو مصنعا يتم مهاجمته أو مهاجمة العاملين به التي وقد تبدو حوادث فردية الا انها يمكن أن تخرب إقتصاد الدولة بل وكان هناك من يطالب بتطبيق قانون الطواريء علي أعمال البلطجة مثلما كان يتم تطبيقها علي الارهاب.. بل لعلي أزعم أن البلطجة في مصر الأن أخطر وأسوأ بمراحل من الارهاب وتهدد أساس الدولة لأنها بدأت تخرج عن إطار الأفراد.

لقد رأينا في ما سمي بجمعة "تصحيح المسار" فئة جديدة يطلقون علي أنفسهم ثوار قاموا بمهاجمة وزارة الداخلية وحاولوا استفزاز رجال الشرطة بكل الصور ولعلنا جميعا رأينا مشهد مجموعة من الأطفال وهم يقفون علي أحد أدوات فحص السيارات ويلعبون عليه ويجرون به في الشارع وأخري تتبول علي باب وزارة الداخلية وفي المساء كان المشهد مختلفا فقد قام مجموعة أخري بمهاجمة السفارة الاسرائيلية وبعثرة أوراقها في الهواء ومهاجمة السفارة السعودية ومحاولة الهجوم علي مديرية أمن الجيزة واحراق سيارات الأمن المركزي والممتلكات العامة والخاصة... ويا لها من سعادة غامرة علي وجوه من يخربون الوطن وكم يفتخرون بالتعدي علي رجل الشرطة ويهتفون بالفاظ نابية ويستعرضون غبائهم أمام كاميرات الفضائيات ولا شيء سوي الهوس بالتخريب وهستيريا تدمير الوطن والافتخار بتعجيز مؤسسات الدولة وشل قدراتها واستنفاذ مواردها.

اين الثورة التي أبهرت العالم ... كان هناك شباب متعلم مثقف يطالب بأدب ويهتف بأدب ويقاوم بطش النظام بشجاعة وأخلاق الفرسان أما ما رأيناه يوم 9/9 مساء فكان خليط من الخارجين علي القانون الذين لا أبريء النظام السابق منهم فقد تربي في عهده فئة كبيرة من البلطجية وأطفال الشوارع في الحواري والعشوائيات ولم يستطع النظام علي مدي ثلاثين عاما قاصدا أو عاجزا من حل مشكلة العشوائيات وهو الأمر الذي أدي الي ظهور قطاع الطرق والهجامين ومعتادي الإجرام وتجار المخدرات وبات العنف المجتمعي هو الصفة السائدة أما السلام الاجتماعي فهو الصفة الغريبة وللحديث بقية في أمر العشوائيات.