ليتني لم أصبح رئيساً
بقلم: عبدالله فهمي
 
أحبائي وقرائي الأعزاء... تحية طيبة وبعد... أحب أن أطلعكم على سر في غاية الأهمية، ولكني أستحلفكم بالله أن تستروني ولا تفضحوني، وتكتموا سري ولا تجاهروا به في الفضاء الإلكتروني... فقد رأيت في منامي أمس كابوساً يؤكد أنني رشحت نفسي لرئاسة الجمهورية في الانتخابات المقبلة... وخيراً اللهم اجعله خيراً فما رأيته ليس فيه أي مشكلة، لكن المشكلة الكبرى والمصيبة العظمى أنني نجحت وتفوقت على جميع من ترشحوا ضدي في انتخابات لا تمت للحقيقة بصلة، ولا تعرف صناديق الاقتراع فيها نزاهة، ووصلت إلى القصر الرئاسي الذي طالما تمنيت المرور بحمارتي العرجاء أمامه. وحين أصبحت رئيساً وجدت نفسي بين عشية وضحاها مطالباً بإطعام ما يزيد على المئة مليون إنسان في وقت كنت فيه بالكاد أسد رمق أسرتي، وتوفير أعمال للشباب وأنا أحفى وراء واسطة لأعين ولدي في إحدى الوظائف، وتدبير علاج لملايين من مرضى السرطان والفشل الكلوي والفيروس الكبدي الوبائي وأنا لا أجد دواء يشفي قولوني، وإنشاء مدارس لمحو أمية ملايين البشر وأنا بالكاد علَّمت طلابي على مدار خمسة وعشرين عاماً مبادئ القراءة والكتابة دون أن يفهموا ما يقرأون ولا يستوعبوا ما يكتبون... وأمسيت مطالباً بتدبير مأوى لكل مواطن وأنا بالكاد عندي خمس شقق وقصران وفيلا في الساحل الشمالي، و ... و... و... بعرقي واجتهادي وإخلاصي في خدمة بلادي...
 
ولأنه درب من المستحيل أن أحقق اي مطلب من مطالب شعبي استغلت المعارضة الوضع الآمن الذي يتمتع به كل فرد على أرضي، وحركت الشارع للخروج في مظاهرات تنادي بالانقلاب علي، وأنا بالكاد لم أبقَ في حكم البلاد سوى 40 عاماً نزولاً على نتائج استفتاء كانت تعطيني نسبة 99.9 في المئة رغم رفضي للتجديد والترشح لـ 100 عام أخرى... هنا وجدت نفسي مضطراً، للإطاحة بتلك المعارضة مستخدماً قوة السلاح تارة للمارقين منهم، والحبس الإنفرادي في معتقلات العزل السياسي الذي مهما بلغت قسوة سجانيه فهو أرحم من العزل الصحي للمصابين بالجرب الذي تفشى في البلاد... وحتى لا يدخل وطني الحبيب في براثن "الفوضى الخلاقة" مثل سائر الدول الشقيقة والمجاورة لحدودي والتي فتتها نيران الجماعات المتأسلمة، وأطماع الراغبين في الجلوس على سدة الحكم، اضطررت بدافع من وطنيتي لإطلاق رصاصات الرحمة على صدور ملايين البشر كي أحافظ على الملايين الأخرى، وأضمن حياة غير هانئة لملايين وملايين مثلهم لم يولدوا بعد. وفي وسط كل نجاحاتي في قمع المعارضة وتجنيب بلادي الاقتتال الداخلي، كشفت لي أجهزة مخابراتي "الوفية" خيوط مؤامرة لقلب نظام الحكام تُحاك لي من داخل قصري، تقودها زوجتي، ويزكيها ابني الوحيد للاستيلاء على عرشي،
 
ولأنني أحب وطني أكثر من عشقي لكرسي الرئاسة اضطررت لتنفيذ حكم الإعدام فيهما، وحين بكتهما ابنتَّي وفلذتي كبدي صباح مساء، لم أعد أتحمل نحيبهما فاضطررت لتصفيتهما بدافع من حبي لهما حتى لا أراهما تعذبان لفقد الأم والشقيق. لم يعد لي أحد وأصبحت غريباً وحيداً في قصري أطهو طعامي بنفسي مخافة أن يطهوه غيري فيدس لي السم فيه، ولم أعد أستطيع النوم رعباً أن يخنقني رئيس حراسي، ضاقت بي الدنيا رغم كل ما أملك، رحل عني الأصدقاء خوفاً من أن أفتك بهم، فلجأت لحماية خارجية تحميني من أبناء شعبي، وطلبت جيشاً أجنبياً يدافع عن حدودي مقابل الحصول على ثروات وطني، ولما عجزت عن سداد الفاتورة بعد أن توارث أبناء شعبي الأمراض وتفشت بينهم الأوبئة، ولم يعد بينهم عاقل بعد أن انهارت صروح التعليم وعم الجهل في الأرجاء، وليس لهم عمل بعد أن باتت الوظائف حكراً على الأجانب فقط، انقلب الجميع علي وتدافعوا على قصري الذي غابت عنه الحماية، الكل يريد رأسي...
 
عندئذ استيقظت من نومي فزعاً لأجد زوجتي على سجادة الصلاة تؤدي فريضة الفجر، فتوجهت إلى حيث ينام أبنائي فرأيتهم قريري الأعين يغطون في نوم عميق هادئ، فعلمت أنني كنت في كابوس مفزع فحمدت الله أنني كما أنا لم أترشح للرئاسة ولم أصبح رئيساً...