حين لقبه معظم الزملاء بـ «النقي» في كلماتهم المؤثرة، لم يكن أي منهم يبالغ، فمن عرف الراحل يحيى عبدالرحيم يدرك نقاءه الذي وصل لدرجة حسن الظن حتى بمن سلبوه حقوقه!
لم يكن يعرف ألاعيب الصحافة، وحين عرفها لم يستسغها، فكان يفعل ما يمليه عليه ضميره دون أن يدخل في دهاليز قد تخسره شيئا من نقائه. قدم عشرات التحقيقات، المقالات النقدية، الحوارات والتغطيات الصحافية للعروض المسرحية والأنشطة الثقافية، بأمانة كبيرة، وبمحاسبة أكبر لذاته إن بالغت أو أخطأت في تقدير الأمور، فلا يهدأ له بال إلا حين يسأل المقربين عن آرائهم حتى «يطمئن قلبه». أما الوجوه اللامعة التي كشف قبحها في بعض حواراته، فلم يبذل أكثر من ابتسامة هادئة، وكلمة متسامحة في مواجهة عنفها، كما حدث مع مسرحي عامله بعنجهية وعنصرية شديدة!
ولعل الألم الذي خلفه إغلاق جريدة الوطن كان أكثر ما أزعجه، فآمن بأن الصحافة «مش دايمة»، وظل يعاني قهر حقوقه المسلوبة، التي نأمل أن يعيدها أصحاب الشأن إلى عائلته، خاصة بعد أن فقدوا عائلهم الوحيد، وإن كان ذلك لا يلغي أن هناك عشرات الصحافيين الذين عانوا من جراء إغلاق الصحيفة، وحقوقهم ستظل في ذمة من تناسوها.
آلمني كثيرا أن أخي العزيز يحيى كان يمتلك العديد من الطموحات، فمنذ سنوات وهو يقوم فعليا بتطوير أدواته في العديد من الجوانب الفنية والأدبية، خاصة التقنية، ساعده في ذلك عمله في معظم وسائل الإعلام المرئي والمسموع، في بحثه الدائم عن آفاق جديدة تنقذه من محدودية المجال الواحد!
تلك الطموحات كانت على المستوى الإبداعي أيضا، حيث قرأت له قبل فترة طويلة قصصا قصيرة بعنوان «شيزوفرينيا»، و«مانشيت مثير» كان قد أرسلها إلي للتعرف على الملاحظات ومناقشتها بحرص شديد. فقد كان - رحمه الله - يحلم بالكثير، لكن الحياة لم تمهله وقتا لتحقيق بعض من أحلامه.
التقيته آخر مرة في مهرجان المسرح المحلي الأخير على بوابة مسرح الدسمة، أثناء خروجنا من أحد العروض المسرحية، باتجاه قاعة الندوات التطبيقية، تفاءلت بابتسامته الصادقة، وأسعدتني حالة الرضا التي تجدها في تصرفاته وكلماته رغم قسوة الحياة. فمازلت أذكر كم كان في عز ألمه وحزنه إثر إغلاق جريدة الوطن، وبعد نقاشات طويلة حول أوضاع زملائه، وآمال - يدرك أنها لن تتحقق - حول عودة الأوضاع كما كانت... يضحك ويردد، كجميع المصريين الطيبين، «خليها على ربنا».
يحيى الذي آمن بـ «ربنا» غادر إلى «ربنا» نقيا، مسالما.. تاركا ذكرى طيبة في النفوس، وابتسامة صادقة لم تفارق محياه، ودعوات بالرحمة وجنات الخلد، يرددها كل من عرفه يوما!
«تعودت على الكويت».. جملة كان يرددها دائما، يشعر بأنه لا يعرف مكانا غيرها، اعتاد على كل تفاصيلها.. فتجاوز عن عثراته فيها.. ليموت على أرضها.. فما أقسى الأقدار!
بقلم: د.سعداء الدعاس..
قسم النقد والأدب المسرحي بالمعهد العالي للفنون المسرحية