محمد...
بقلم/اسامة ابوزيد
منذ سنوات. كات الحافلة تشق بنا الطرق الممهدة وسط الجبال العالية التي تحيط بنا من كل جانب. سألت صاحبي متعجبا: بين هذا العالم الواسع الممتد شرقا وغربا، مدنا وقرى ودولا وامبروطوريات يختار الله سبحانه وتعالى هذه المنطقة الجبلية، ومن بين هؤلاء الاثرياء والوجهاء وزعماء القبائل الذين يقطنونها يختار محمدا صلى الله عليه وسلم ليختصه بالرسالة؟
كان جوهر الرسالة الرحمة المرسلة إلى العالم كله لا الى هذه المنطقة او هؤلاء القوم. فمحمد رسول الانسانية والرأفة والرحمة.
قال صاحبي: عليك ان تقرأ "عبقرية محمد" لعباس العقاد ليجيبك عن كثير من الاسئلة التي تدور في عقلك.
في "عبقريته" يتناول العقاد نبينا محمدا من عدة جوانب وزوايا ويسلط الضوء على النبي الاب والزوج والرئيس والقائد والداعي. يتحدث عن عبقريته السياسية والعسكرية...
ويوضح العقاد أن "الغرض من كتابه "عبقرية محمد" ليس تقديم سرد للسيرة النبوية أو شرح للإسلام بل هو(تقدير لعبقرية محمد)، الأمر الذي يراه المسلم وغير المسلم - شاملا- لأن (إيتاء العظمة حقها لازم في كل آونة وبين كل قبيل) - خاصة - أن الناس في عصرنا هذا (قد اجترأوا على العظمة... بقدر حاجتهم إلى هدايتها).
ويقول العقاد: كان النبي نبيلا عريق النسب، وكان فقيرا لا يطغيه بأس الأغنياء، وكان يتيما بين رحماء... فليس هو المدلل وليس هو المهجور المنبوذ الذي تقتله القسوة. نشأ خبيرا بضروب العيش في البادية والحضر. ربى في الصحراء وأَلِفَ المدينة، رعى القطعان واشتغل بالتجارة وشهد الحروب، واقترب من السراة ولم يبتعد من الفقراء. فهو خلاصة الكفاية العربية في خير ما تكون... وهو على صلة بالدنيا التي أحاطت بقومه فلا هو يجهلها، ولا هو يغامسها كل المغامسة فيغرق في لجتها.
وعن انسانيته يقول: "وليس فى سجل المودة الانسانية أجمل ولا أكرم من حنانه على مرضعته حليمة ومن حفاوته بها وهو تجاوز الاربعين، فيلقاها هاتفا بها: أمى! أمى!... ويفرش لها رداءه".
ويقول عن حزنه على وفاة ولده ابراهيم: وحزن رسول الله على فراقه ابنه إبراهيم، لقد كان حُزنه لموته بمقدار فرحه بمولده...، خرج الرسول الرّجل الذي اضطلع بأعباء الدّنيا ومن فيها وهو لا يضطلع بحمل قدميه، خرج يتوكأ على صديق عطوف إلى حيثُ يحمل الوليد آخر مرة في حجره الأبوي قبل أن يُودعه حجر التراب، وكان يستقبل الجبل بوجهته فقال: يا جبل! لو أنّ كان بك مثل ما بي لهدّك، ولكن... إنّا لله وإنا إليه راجعون.
صرخ أُسامة حين بكى رسول الله، فنهاه الرسول وقال: البُكاء من الرحمة ، والصّراخ من الشيطان.
وفي موضع آخر، يقول العقاد عن علاقته بابنته فاطمه ولحظة دنو أجله: تلك فاطمة بقية الباقيات من الأبناء والبنات، يختصها النبي بمناجاته في غشية وفاته: إني مفارق الدنيا فتبكي... إنك لاحقة بي فتضحك...
في هذا الضحك وفي ذلك البكاء على برزخ الفراق بين الدنيا والآخرة أخلص الود والحنان بين الآباء والأبناء. سرها بنبوته، وسرها بأبوته، فضحكت ساعة الفراق لأنها ساعة الوعد باللقاء...