خيارات "الأطباء" العصرية ..للإحتفاظ بشقة الزوجية!بقلم: محمود الشربينى
--------------------------------------------------------------------------
قبل أن تقرأ: صديقي المدهش جنرال صعب المراس، لكنه بقلب طفل يذوب فى حب أولاده . يغيب عنه إبنه الوحيد لبعض الوقت، فيستوحش إليه، فلما يلتقيه، إذا به يغرقه فوراً بقبلتين حانيتين دافئتين ، نسمع صوت التحامهما بالوجنتين وكأنهما قبلات عشق من نار، وإن كانت مشفوعةً بنقدٍ لاذع ، بسبب هذا الغياب الموحش للإبن، ولو لسويعات قلائل! أما كريمته الصغري فليس بالإمكان أن يرفض لها طلبا، ولو كان " لبن العصفور"!
صديقي الصحفى لايمكن أن يبدأ يومه من دون أن يتصل ببناته فيطمئن عليهن، أما إبنه الأكبر فلايمكن أن يمر وقت طويل على استفاقته، من دون أن يذهب إلى بيته، ويتفقد أحواله ،ويتابع شئونه، ويبثه شجونه وإهتمامه.. تماماً مثلما يفعل مع نجله الأصغر وإن كانت الظروف فى الإقامة ونحو ذلك تباعد بينهما قسراً هذه الأيام.
أما صديقي المهندس ، فهو يقضى أحلى وأسعد لحظات عمره ، وهو يسير - بقوامه الفارع - متأبطاً ذراع صغيره الغض ، و الأروع من هذا فخره الدائم به، وسعادته الغامرة عندما يقدمه لأصحابه!
وهكذا يفعل صديقي المحامى .. وغيرهم كثيرون ! أما عن الأطباء (وليسوا كلهم بالقطع) فحدث ولاحرج ، فقد أثبتوا- أحدهم على الأقل- أن لديهم  خيارات عصرية بديله للتعامل مع فلذات أكبادهم ! خيارات غريبة على مجتمعنا المصري، وعلى من يعتبرون بمثابة "ملائكة الرحمة" أو هكذا كانوا يوصفون فى الأزمنة الغابرة!!
*************************
" طبيب مصري قتل إبنه .. ليفوت على زوجته حضانته"! وضعه فى كيس أسود وكممه ببلاستر لاصق ، ورماه فى حديقة! طالعت هذا العنوان وهو يتصدر الصفحة الأخيرة من صفحات جريدة الراي الكويتية ، وانا لاأصدق ماجري؟ فبطل القصه ليس ولداً عاقاً " لحست" المخدرات دماغه وأذهبت عقله.. وليس مجرماً شرساً عتيد الإجرام ، يتعاطى البانجو والترامادول فلا تجده يقظاً ولو بعض الوقت .. وإنما بطل القصة المشينة المجرمة ( قل من الاوصاف ماشئت وأنزف من الدماء ماقدرت )" ط" " ب" " ي" " ب".. طبيب ! نعم طبيب ، عرفته الصحيفة باسم (أ) وعمره ثلاثون عاماً ويسكن بمساكن طوسون فى الإسكندرية .. مدينة الحياة والجمال والثياب البيضاء والأمواج المتدفقة حباً، موجةً وراء موجة فى إصرار على نثر الحياه فوق الشواطيء المتراميه على إمتداد ثغرها الباسم .. الإسكندرية عروس المتوسط .. التى لاتعرف - عرفت الأن!- معني العذاب والموت والقتل بلغة جديدة وبخطط بديلة عصرية .. لم تعرفها فى تاريخها الطويل!
المجرم (أ) هذا.. كما عَرَّفَتْهُ الصحيفة طبيب بشرى، أراد ان يفوت الفرصة على زوجته، ويحرمها ليس من فلذة كبدها ، بإبعادها عنها ومنعها من رؤيته والتمتع به فى سنوات طفولته، بل حرمانها حياته كلها، وهو لايعدو كونه ابن الاربعة أشهر فقط !! لقد أسكت صوت وليده- لانستطيع أن نقول فلذة كبده أو روحه أو "كِبدَ أبوه" كما يقول بعض المصريين المحبين المتعلقين بصغارهم إلى حد التَوَّلُهْ- سكتةً واحدةً بلاهوادةٍ أو رحمة ،أو حتى تفكير أو إرتعاش وجلٍ أو خوف، والسبب - الذي إذا عُرِفَ، بطل النحيب والحزن والقهر والألم- هو حرمان زوجته من الإحتفاظ بشقة الزوجية إذا طلقها، كونها حاضنة لطفله!( ضعوا ماشئتم من علامات التعجب)
هكذا تفتق ذهن الطبيب الموصوف من الصحيفة بأنه " طبيب بشري" وأظن أن من أملى الخبر على المحرر أخطأ تماماً فى التوصيف، فهذا لايعدو كونه ذئباً أو حيواناً مفترساً نزعت الرحمة من قلبه، إذ يقتل وليده من اجل ماذا ؟! من أجل شقة!
الطبيب الهمام قام بدم بارد ،وبافتقار مذلٍ للانسانية والمحبه، بالتحايل على زوجته التى هددته فى لحظة غضب بأنها ستنتزع منه الشقة إذا أقدم على تطليقها ، فأسرع بوضع خطته الجهنميه، وقام بإبلاغها أنه سيذهب لشراء بعض الأشياء، مصطحباً طفله معه! ربما بلعت الطعم ، ربما بتأثير رغبتها فى أن يلين قلبه لها، ويتراجع عن خلافاته الشديدة معها،فلما خرج بطفله إلى الخارج ، نفذ خطته أو جريمته لافرق!ذهب إلى قسم الشرطة وابلغهم بأنه "أثناء سيره بالقرب من مسكنه، مصطحباً نجله ياسين ( ذو الاربعة شهور!) إعترضه شخصان مجهولان قاما باستيقافه والتعدي عليه بسلاح أبيض ،كان بحوزة أحدهما ، وإحداث إصابة بجروح قطعية فى الرأس والساعد الأيسر ثم قاما بخطف نجله من يده وفرا هاربين.
تقول صحيفة "الراي" التى نشرت المأساه، أن " التحريات الأمنية كشفت عن عدم صحة الواقعه ، وعثر على سكين عليها آثار دماء، بإحدي الحدائق بالقرب من مكان الحادث، وبمناقشة الأب ( طبيب المبالى .. أو الذئب البشرى !) عدل عن سابق أقواله واعترف بقيامه بالتخلص من نجله وقتله واحداث إصابته بنفسه، لوجود خلافات بينه وبين زوجته (24 ) عاماً والحاصله على بكالوريوس التجاره ، ونظرا لتهديدها المستمر بالانفصال عنه والحصول على حكم قضائي بتمكينها من مسكن الزوجية لكونها حاضنة لطفلها قرر التخلص من ورطته تلك بجريمة يهتز لها الفؤاد وترتعد لها الفرائص!
أي قلب إمتلكه هذا الطبيب أو الذئب البشرى؟ أهو مثل قلوب أصدقائى الذين حدثتكم فى البداية عنهم ؟ هل يقارن قلب هذا الطبيب بقلب صديقي الكاتب الصحفى ورئيس تحرير الموقع الإلكترونى الشهير ، الذي كان يتعمد إخفاء آلام  "جلطه" أو "ذبحه" داهمته بغتةً، لكى لا يفسد على ابنته المتزوجه والتى تعيش مغتربة بعيدة عنه هى وزوجها واولادهما، متعة قضاء إجازتها بين أحضانه الدافئه ومشاعره الفياضه ،والتى عندما تفتقدها بالسفر تنقلب حياتها جحيماً لاتطيقه ، حتى أنها فى المره الأولى لسفرها مكثت فى شقتها بملابسها لم تغيرها أياما، كما لم تفتح حقايبها أبداً، إلا بعد وعدها بزيارات متكررة لها، بل وبمنحها أكثر من "تيكيت" مجانى يعيدها الى دفئه فى أي وقت تشاء ، وهى الزوجة والأم والدكتورة التى تقوم بالتدريس فى الجامعة .. أى أنها لم تعد بحاجه إلى نفس تلك التدفقات من المشاعر الحانيه كطفل فى عمر الزهور!
أي قلب إمتلكه ذلك المجرم ، الطبيب ، الذي أشك فى أنه حصل على شهادة تخرج من كلية الطب فعلاً، وكيف يكون ذلك كذلك؟ ومثله من الخريجين " ملائكة رحمه ، يشفون العليل ويطببون المريض ويزيلون الالام ويعالجون الجروح ، لا أن يقتلوا مرضاهم .. بل يقتلون أولادهم فى أبشع الصور الإنسانية وأكثرها مرارة!
أي مقارنة يمكن أن تحدث، بين هذا الطبيب المصرى السكندرى، وبين مواطن مصرى آخر قرر الانتحار  ، بالقاء نفسه من الطابق الخامس ، خجلا من صاحب شقة، كان قد إستاجرها منه لقضاء بضع أيام فيها، ولكنه بعد إنقضاء المده، ورغم أنه سلمه الشقه ، إلا أنه إحتفظ بنسخه من المفتاح ، وراح يتردد عليها ، فلما تفاجأ بوصول صاحب الشقة ، " إنكسف" منه .. وقرر الانتحار خجلاً من فعلته ، فمابالنا بطبيب لايخجل من مجرد التفكير فى قتل فلذة كبده !( كثيرة عليك هذه الجملة أيها التعس فقير المشاعر خاوى القلب .. عبد الشقة .. لابارك الله لافيك ولا فى شقتك!)
بعدما قرأتم: مثل هذه الجريمة تنبيء عن تحولات عميقة فى الشخصية المصرية .. بحاجة إلى دراسة متعمقه، كنا فى السابق نطمئن لوجود مراكز ابحاث مرموقة تضم خبرات علماء مثل الدكتوره سهير لطفى وسيد عويس وسيد يسين واحمد خليفة وغيرهم ، تناقش هذه التحولات .. وتعالج هذه الظواهر وتساعد فى فهمها واحتوائها.. أما اليوم فالتحولات فى المحروسة تبدو جذرية ومستعصية على الفهم واكبر من طاقة أي أحد على الاستيعاب .. وهل هناك بشر يمكنهم ان يستوعبوا إقدام طبيب على قتل وليده الصغير من اجل شقة .. ولوكانت تطل على نيل القاهرة أو حتى على ثغر الإسكندرية!
واحزناااااااه ... واألماااااااه... وامصيبتاااااه!