ختان الإناث.. بين الشريعة والقانون
 
 
في عام 2007م صدر مرسوماً وزارياَ من وزارة الصحة يسد الثغرة التي كانت موجودة في المرسوم الوزاري الصادر عام1996م يحظر على جميع العاملين بوزارة الصحة سواء المستشفيات الحكومية أوغيرها أن يقوموا بإجراء الختان للبنات. وفي عام 2008م أقر مجلس الشعب المصري ولأول مرة تجريم ختان الإناث وذلك بإجماع الآراء. وبتاريخ 6يوينو2013م توفيت طفلة مصرية تدعى سهير الباتع ابنة الثلاثة عشر ربيعاً أثر إجراء عملية ختان لها في عيادة أحد الأطباء بمحافظة الدقهلية وكان سبب الوفاة وفقاً لتقرير الطبيب الشرعي هو "هبوط حاد في ضغط الدم ناجم عن صدمة عصبية". وفي يناير 2015م صدر أول حكم قضائي في ضوء تجريم الختان وذلك بمعاقبة الطبيب الذي أجرى العملية للطفلة سهير الباتع بالحبس سنتين وغرامة خمسمائة جنيهاً عن تهمة القتل الخطأ والحبس ثلاثة أشهر لإجرائه عملية ختان تسببت في مقتل الطفلة المذكورة وإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة.
 
ومنذ أسبوعين وتحديداً بتاريخ 31/8/2016م أعاد البرلمان المصري على السطح مرة أخرى ذات الموضوع المتعلق بختان الإناث فوافق وبصفة نهائية على مشروع قانون مقدم من الحكومة بتعديل قانون العقوبات بتغليظ عقوبة من يقوم بإجراء عملية ختان الإناث "بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات ولا تجاوز سبع سنوات" بينما النص السابق "يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تجاوز سنتين أو بغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تجاوز خمسة ألاف جنيه" كما أضاف المشروع المذكور نصاً جديداً يقضي "بمعاقبة من يقدم الانثى للختان بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث سنوات" والمعني بالتجريم في النص المستحدث هو الأب والأم وغيرهما من الأقارب . وحين مناقشة المشروع أمام البرلمان سجل رئيس اللجنة الدينية أسامة العبد اعتراضه على التعديل لعدم عرضه على اللجنة المختصة والمعنية بمخاطبة هيئة كبار العلماء بمشيخة الأزهر. كما أن الهيئة البرلمانية لحزب النور رفضت ذلك المشروع وامتنعت عن التصويت على مشروع تغليظ العقوبة على ختان الإناث وقال النائب عن الحزب محمد خليفة أن هناك رفض للتجريم على إطلاقه لإن هناك سبعة أنواع من الختان تعتبر مرفوضة بينما يوجد نوع واحد يعتبر من السنة وهو الذي يباح إجراءه. وكانت منظمة الصحة العالمية قد ذكرت أن ختان الإناث يعتبر أحد الطقوس الثقافية أو الدينية في أكثر من سبعةِ وعشرين دولة إفريقية وقدرت منظمة اليونيسف أعداد الإناث المختونات عام 2016م بحوالي مائتي مليون فتاة في هذه الدول المذكورة وأن هذه الممارسة لا تعود بأية منافع صحية على الفتيات.
 
وتعتبر مصر في مقدمة الدول الإفريقية التي تقوم بعملية ختان الإناث ثم الصومال وغينيا وجيبوتي والسودان. والختان في الأصل هو أسم لعملية قطع غشاء القضيب الذي يغطي الحشفة لدى الرجال وهو عادة قديمة ذات جذور دينية للصبي وتجرى له في الغالب بعد الولادة بأيام عند المسلمين واليهود. وقد روي عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: "إن من سنتي وسنة الأنبياء من قبلي النكاح والختان والسواك والعطر". وقد روي أن الأنبياء كانوا يولدون مختونين ثم شرع الله الختان وفرضه على نبينا إبراهيم عليه السلام. لكن من وجهة النظر الشرعية بالنسبة لختان البنات والذي يُسمى خفضاً فلم يأمر به الشرع وليس سنةً، فقد روى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "خِتَانُ الْغُلَامِ مِنَ السُّنَّةِ وخَفْضُ الْجَوَارِي لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ " وبالتالي فإن ختان الإناث ليس له أصل في الشرائع. واستند المؤيدون لختان الإناث على ثلاثة أحاديث منسوبة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وذكر أهل الاختصاص أن هذه المرويات ليس فيها دليل واحد صحيح السند والأحاديث هي: الأول: قال رسول الله – عليه الصلاة والسلام – "اشمي ولا تنهكي فإنه أسرى وأحظى عند الزوج" رواه الحاكم وأبو داوود البيهقي وارتبط باسم (أم عطية) وهي امرأة كانت تقوم بختان الإناث في المدينة المنورة. وهذا الحديث ليست فيه حجة يستفاد منها الأمر بختان الإناث وإنما يتضمن كيفيته حال وقوعه – على الفرض الجدلي – وإنه إشمام أي أخذ جزء بسيط وهو الغلفة وبالتالي فإن المسألة طبية دقيقة وليست مطلقة على عواهنها كما تجري الآن في كثير من البلدان الإفريقية. الثاني: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – " الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء" ويؤكد الحافظ بن حجر والإمام البيهقي وابن عبد البر أن هذا الحديث ضعيف ومنقطع ويدور على رواية راو لا يحتج به وهو الحجاج بن أرطأة. وقال الإمام ابن منذر " ليس في الختان خير يرجع إليه ولا سنة تتبع " فلو أراد النبي – عليه الصلاة والسلام – التسوية بين الرجال والنساء في هذا الأمر لقال عليه الصلاة والسلام " الختان سنة " وسكت وعندئذ يكون تشريعاً عاماً ملزماً للمسلمين كافة رجالاً ونساءً. الثالث: عن السيدة عائشة – رضي الله عنها – مرفوعاً إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وموقوفاً على السيدة عائشة " إذا التقى الختانان وجب الغسل " والمعروف أن العرب حينما يسمون الشيئين أو الشخصين يكون باسم الأشهر أو الأقوى في التثنية ومنها على سبيل المثال: العمران ويقصد بهما " أبو بكر وعمر" والقمران " الشمس والقمر " والعشاءان " المغرب والعشاء "والأبوان "الأب والأم " والأصفران ويقصد بهما (الذهب والفضة) وهكذا. والغالبية العظمي من المؤيدين لختان الإناث خصوصاً في الأوساط الشعبية يعزونه إلى خفض الشهوة لدي الفتاة لحمايتها من الرغبة الجنسية المحمومة وأنها علامة من علامات الطهارة والعفة والتواضع وأن عدم الإتيان بالختان يعرض بناتهن إلى العار أو الإقصاء الجماعي!
 
ووجهة النظر تلك ليست في محلها إذ أن الكثير من الدول العربية الإسلامية لا تجر فيها هذه العادة ومع ذلك البنات فيها ملتزمات ونساء فضليات أما مسألة خروج المرأة عن المألوف والطبيعي فلا علاقة له بهذه العملية من قريب أو بعيد. والمستفاد من جملة ما سبق فإن عملية(الخفض) للإناث يتعين أن تكون في ضوء الحاجة إليها للحالات الخاصة على سبيل الحصر ومن خلال طبيب مسلم حاذق متخصص أمين يرى لزومها من الناحية الصحية والنفسية ولا تكون على إطلاقها بلا رابط أو ضابط كما هو حادث في المجتمعات التي تجري فيها هذه العادة وتساق الفتاة تحت مظلة العادات والتقاليد إلى عملية لا تدرِ عنها شيئاً لا سيما الفتيات حديثات السن اللواتي لا يدرين ما يدور حولهن وتترك لديهن صدمة نفسية وعصبية ربما تلازمها طوال عمرها يترتب عليها الكثير من الخلافات الزوجية التي تفضي في النهاية إلى وقوع الكثير من حالات الطلاق.