شكرا د. شفيق.......نحن فعلا في "زمن المسخ"
بقلم: حسن عبد الباري
لم أشعر قط بقدر من الاستفزاز كالذي شعرت به و أنا أشاهد برنامج "بلدنا بالمصري" مساء الأربعاء على قناة ONTV أثناء المقابلة و الحوار بين رئيس الوزراء المستقيل الدكتور أحمد شفيق و المهندس نجيب ساويرس و الإعلامي حمدي قنديل و الروائي علاء الأسواني الذي بدأ كلامه لرئيس الوزراء دون القدرة على النظر إليه مباشرة و ما هي إلا دقائق حتى شعر أنه أمام مسئول سياسي من نوع آخر غير الذين أعتدنا عليهم من قبل عندما كانت فرائص الفرد ترتعد إما خوفا أو خجلا قبل و أثناء لقائهم، فانقض عليه مقابلا تهذبه بنبرة و منطق صبيانيين لم أتوقعهما من الأديب الذي أبدع "عمارة يعقوبيان".
و قبل أن يقفز أي من القراء لاستنتاج أنني عدو الثورة و أنني من "بقايا ذيول الحزب الوطني" وجب التنويه و التذكير بأنني لو كنت كذلك، لما كنت أمضيت جل عمري خارج مصر و كنت استفدت من تلك التبعية في كل شيء. كما لم يكن لي أي نشاط سياسي حتى عندما حاولت بعض الأحزاب استقطابي أثناء الدراسة الجامعية في منتصف الثمانينيات كما هو الحال دوما مع الشباب الذين هم وقود الثورات.
عودا على بدء، لم استطع منع نفسي من استحضار المشهد الذي يصرخ فيه بطل رواية الأسواني: "إحنا في زمن المسخ" عندما رأيت الأديب الأسواني نفسه متنمرا و متحفزا للهجوم على الدكتور شفيق و الاستهزاء بردوده بدم بارد و أسلوب أبعد ما يكون عن أدب الحوار الذي تدعو له كل الديمقراطيات في العالم و تتخذه مبدءا لها. لم أشعر أبدا أنني أمام رجل مخضرم له خلفية أدبية و ثقافية من المفترض أن ترتقي بأسلوبه في الحوار . لقد شعرت أنني أمام رجل جاء لمهمة واحدة فقط و كأنما تم تحفيظه ما يقول و كان لا يفوت ردا إلا و علق عليه مقاطعا بشكل سمج و طفولي خاصة عندما نجح في استفزاز شفيق و أحتد الرجلان و بدأ يرد: " لا انت اللي...... و انت اللي....." و تفنن في الجدل و قلب الحقائق متغنيا بـ"أين الأمن و رجال الشرطة في الشارع". ألم يسمع أديبنا الهمام بكل حوادث افتعال المشاكل مع ضباط و أفراد شرطة من قبل خارجين على القانون و مسجلين خطر بسبب ثأر قديم؟ ألم يسمع عن تجار المخدرات الذين جندوا مليشيات مسلحة لتمكينهم من بيع بضاعتهم علنا كما كان الحال سابقا في الباطنية؟ ألم يسمع عن ضابط المرور الذي أوقف سائقا يسير عكس اتجاه السير فأوسعه و ثلاثة من مفتولي العضلات ضربا و انضم لهم المارة؟ ألم يسمع عن من احتلوا الشقق المغلقة و أراضي الهضبة الوسطى في المقطم؟ ألم يسمع عن من أخرجهم الجيش من شقق اقتحموها و تحفظ عليهم فقام ذووهم بمهاجمة قسم الشرطة الذي احتجزوا به بالأسلحة لإخراجهم؟ ألم يسمع عن الاعتداءات على اتوبيسات المدارس الخاصة و الأطفال لأنهم أبناء "ولاد الإيه الأغنياء اللي واكلنها والعة" و ليس كما ادعى الدكتور علاء أن المعتدي هم بلطجية النظام ليشعروا الناس بحاجتهم للأمن؟ ألم يشاهد اليوم ( الخميس) الفيديو عن أحداث سجن دمنهور على الجزيرة و يسمع الأهالي الذين تجمهروا بالخارج و معهم البصل ليستخدموه في الوقاية من الغاز و ليخرجوا أبناءهم و كأنهم كانوا يعلمون بما سيحدث مسبقا على عكس ما قالته قريبة أحد المساجين بإحدى القنوات أمس من أن قريبها قال أن الضباط حرضوهم على الخروج ثم أطلقوا النار؟ هل كان الضباط سيستدعون الأهالي ليرتكبوا جريمة هل مرأى و مسمع منهم؟
بكل الأسف أقول أن الثورة نجحت في تحقيق الكثير من التغير الذي انتظرناه طويلا أو على الأقل فرحنا به و لكن كان هذا على حساب جهاز الشرطة الذي لا نختلف جميعا على أنه كان به العديد من الفاسدين و من استغلوا سلطات عملهم و الذين نجحت الثورة في تسليط الضوء عليهم لدرجة جعلت الجميع يعتقد أنهم أغلبية. و مع هذا، كان و ما يزال به العديد من الشرفاء الذين ضحوا بالكثير لحمايتنا جميعا و السهر على أمننا و الذين فقدوا هيبتهم الآن أمام المجرمين و الهاربين من الأحكام و المسجلين خطر الذين كانوا فيما مضى يكتفون بإخراج شفرة من فمهم لجرح أنفسهم و التبلي على الشرطة أما الآن فالطريق ممهد لانتقامهم كما يشاءون. و بدأ الجميع ( بمن فيهم سجناء الرأي السابقين الذين عذبوا مثل الأستاذ علاء) مصادرة الرأي و التشفي بالشرطة.
و الآن و قد استقال الدكتور شفيق الذي كان أساس الاعتراض عليه أنه عين من قبل مبارك و حلف اليمين أمامه بغض النظر عن مهنيته و كفاءته، جاء رجل آخر سبق تعيينه من قبل مبارك و حلف اليمين أمامه .......فما العمل؟ هل سيخرج علينا من ينادي بإقالته أيضا لأنه من رموز نظام مبارك و نعود مجددا للمربع الأول الذي يبدو أننا سنبقى فيه طويلا مثل تونس و العراق؟ أم هل ستكون جمعة من الجمع التالية جمعة "محاكمة شفيق"؟.........شكرا د. شفيق!