"عفوا لقد نفذت باقتك" كانت الجملة الأكثر استفزازاً عندما تفرزها لي "فلاشة الانترنت" علي شاشة الكمبيوتر بعد منتصف الليل، فيُصيبني الجنون خاصة وأن كنت في خضم عمل مهم، وكثيراً كان يفزعني بطء الوصلة نتيجة لإضافة المزيد من المشتركين عليها فألعن جشع جارنا، وأصبح شراء "روتر" خاص هو طوق النجاة، يقدم لنا وحدنا كل سرعته ولا يقاسمنا احد "جيجاته".
في الواقع ومنذ اليوم الأول لتركيبه اختفت مخاوفنا من الانقطاع غير المبرر، وللأسف بدأت متطلبات أخري أبرزها "مين هيقف جنب الروترر يفصله ويشغله كل نص ساعة تقريباً" أو "مين ممكن يقوم من علي السرير يحرك التليفون ويتأكد من الحرارة" وغيرها من الأزمات المصاحبة لأي "روتر" في مصر.
ولكن علي مدار أكثر من 5 شهور نعاني من سوء خدمة الانترنت، واضطررنا معه إلي زيادة الباقة أكثر من مرة، حتى أصبحت الآن من الفئات الكبرى بـ 150 جنية شهرياً، ولكن هذه الزيادة في المدفوع رافقها استمرار في سوء الخدمة، حيث وقع خطأ تقني علي حد قول الشركة عندما حاسبتنا بـ 150 جنية بينما لم تقدم لنا سوي "ميجات" بـ 45 جنية.
تعمدنا الاتصال مراراً لمعرفة السبب وراء هذه الخطأ، مما اضطر أحد المدراء بالشركة وليس أحد الموظفين بخدمة العملاء للاتصال خصيصاً والاعتذار، ولكن لم يتوصل أي من المسئولين في الشركة إلي أسباب هذه الهفوة التي كلفتنا 100 جنية زيادة اكتشفناها عندما نفذت الباقة وبالاستعلام عنها وجدنا إنهم اخذوا مالنا ولم يعطوننا الخدمة "معلش يا فندم السيستم اتلخبط".
العيب في الفيشة
واجهنا مشكلة رغبات "الروتر" الموتورة، حيث يصيبه الوهن ليلاً ولا يجدي معه علاج "افصله وشغله تاني"، وأحيانا يعمل شكلاً فقط ولكنه "فاقد النطق"، فما كان من الشركة إلا أن نصحتننا بتغيير "الروتر المريض". في أقل من 48 ساعة كانت العلة ذاتها قد أصابت الجديد، ولا يجدي الصراخ و"هز الروتر" بعنف ليُجيب عن سبب عطبه، ولكن وحدهم موظفي خدمة العملاء ينتظرون بعد منتصف الليل للإجابة علي مثل هذه التساؤلات.
حوار أشبه ما يكون بالهزلي حول "الروتر المريض"، ما بين تساؤلات من جانبنا "هو في ايه نفسي أفهم.. نعملكوا ايه تاني عشان تقدموا لنا خدمة محترمة"، فلا يملك الموظف سوي أن يحافظ علي هدوئه "يا فندم قول لي ازاي اساعدك ،،أيه المشكلة"، وقبل أن ينهي جملته "مهو بص متقوليش أفصل الروتر واشغله تاني.. لأني عملت ده مليون مرة لدرجة أني غيرت الروتر شخصياً.. والباقة كبرتها.. يا أخي الناس مش طيقاكوا بسبب سوء الخدمة.. بص متضايقش من عصبيتي.. انت ملكش ذنب أنت في الأخر موظف.. ده نظام شركة بتسرقنا وأحنا عارفين انها بتسرقنا.. بس ايه المشكلة تسرقنا وتدينا خدمة علي الأقل من غير ما تحرق أعصابنا".
وهكذا طوال أكثر من 10 دقائق والموظف "الغلبان" الذي ربما لا يضع السماعة علي أذنه، ويهز رأسه وفمه معوج، "أيوة انا شيفاك بتهز راسك"، هكذا يتحمل موظفي خدمة العملاء يومياً مئات الاتصالات من العينة ذاتها، ولكن بعد منتصف الليل نكون نحن "العملاء" أكثر عنفاً وتساؤلاتنا يصعب علي الموظفين استيعابها.
بعد عشرات الأسئلة جاء الرد من جهة الموظف "أنا بيتهيألي والله أعلم أن المشكلة في الكهرباء.. بس من غير عصبية حضرتك أنا بخمن يعني.. ممكن تجرب تحط الفيشة في حتة تانية كدة وتقولي"، أي والله قالنا كدة، ضحكنا وضحك الموظف وانتهي الموقف ومازال "الروتر" علي مزاجه.
المرهم
في مصر يلجأ الجميع لـ "مراهم" ترطيب الأزمات، سواء القطاع العام أو الخاص في كل ما يقدمونه من خدمات للمواطنين، وعادة ما تكون الاعطاب "فردية" ولا تعبر عن الخدمة ومقدميها، وإتباع سياسة تكرار الإجابات "الغبية" علي مسامع العميل "المواطن" لتفقده صوابه وأمله في الحصول علي جواب شافي يُريحه، ومع مرور الوقت ييأس من الحصول علي الخدمة التي يدفع مقابلها نقود، أو يموت من "التعذيب" فيتوقف عن إزعاجهم، ويبقي الوضع علي حاله من تردي الخدمات مع ميزة زيادة أسعارها يومياً، بحجة الدولار تارة والضرائب تارة أخري وزيادة رواتب فئات من المجتمع تارة "تالتة ورابعة" وإلي ما شاء الله بإذن الله.
سرقة ما في "جيب" المواطن لقاء خدمات رديئة هو نتيجة جهد عمل جماعي يبدأ بجشع الشركات أولا، وتراخي الدولة ومؤسساتها في العمل الرقابي ثانياً، مع الأخذ في الاعتبار أن تجاهل الرقابة شبه متعمد بالأساس نتيجة لمصالح مشتركة حيث تتصارع بعض الأجهزة والمؤسسات والشركات في مصر طوال الوقت، إلا أنها تتفق في معظمها علي شئ واحد وهو "الفساد".
الفجوة
علي الصفحة الرسمية لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تحت بند "الاتصالات السلكية واللاسلكية" عنوان "لطيف" وهو "الخطة القومية للإنترنت فائق السرعة"، وتوضح تلك الخطة ما تتمتع به مصر من انجازات، وكعادتنا جاء في افتتاحية الخطة نصا "تمتلك مصر التي تُعد من أكبر أسواق الاتصالات في إفريقيا والعالم العربي، كل الإمكانات والأصول الضرورية التي تؤهلها للدخول بقوة في العصر الرقمي".
أكبر أسواق الاتصالات في أفريقيا والعالم العربي "يا راجل"، ربما يقصد في عدد العملاء رغم "سوء الخدمة" فنحن 90 مليون مواطن، خاصة انه وفقا لتقييم أجرته مؤسسة "نت إندكس" للبحوث المعلوماتية جاءت مصر ضمن الدول الـ10 الأبطأ في سرعة رفع الملفات على شبكة الإنترنت.
لا أبالغ عندما أقول أن أصدقائي في الصعيد والمدن البعيدة عن القاهرة يعانون أشد معاناة مع الانترنت، وتكاد تكون أزمتي مع "الروتر" نكتة لهم. مساحات كبيرة من مصر تنقطع فيها شبكات المحمول وبالتالي وجود الانترنت بها شبه مستحيل، وهو ليس كلامي لتشويه الانجازات وإنما وفقاً لوزارة الاتصالات فأن خطتهم تهدف نصاً إلي توسيع رقعة الاتصالات في "المناطق الريفية والمدن الجديدة التي لا تتمتع ببنية تحتية متطورة مقارنة بالمناطق الحضرية، وأخيراً توفير خدمة الإنترنت السريع للمواطن في المناطق المهمشة ومن ثمَ تضييق الفجوة الرقمية في مصر".
خطط حكوماتنا دائما عملاقة وضخمة، وأهدافها عادة مبهمة وغير مفهومة، "اسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك ألعنك" أحاديثهم الـ "طنانة" عن مشروعات خيالية أدت لانهيار القشة الأخيرة التي يرتكز عليها هذا البلد، ومن أجل تمرير حاجتهم للبروباجاندا لتدعم استمرارهم، يطالبون البسطاء بإعمال خيالهم ليروا الحياة الرغدة الزائفة ما بعد هذه المشاريع التي لا يتحقق منها أي شئ سوي الديون وزيادة الأعباء علي المواطنين، بينما يزج بآخرين اعملوا الخيال في الأدب أو حتى "قلة الأدب" بتهمة خدش الحياء في السجن.
وكأن الفقر والجوع والمرض لا يخدشون حيائنا كل يوم علي قارعة الطريق ونحن نري المرضي ينتظرون علي الأرصفة دورهم في الحصول علي علاج لن يشفيهم.
تردي خدمات الانترنت ليس أزمتنا الوحيدة وأقساها، وربما رفاهية لآخرين، ولكنه ضرورة حياتية في عدد كبير من المهن والمؤسسات، ويعكس حديث المسئولين دائما عنه وجه أخر قبيح لمبررات الإخفاق والفشل، وطريقة المعالجة والتبرير سيد الموقف دائماً "بالله عليكوا أطفوا روتر البلد دي وشغلوه تاني.. أو جربوا تحطوا الفيشة في حتة تانية وقولوا لنا"