بقلم/ عزت إبراهيم 
ندفع اليوم ثمن اشاعة مناخ من «المزاج الأسود» فى المجتمع المصري، بداية من اثارة اللغط حول كل حادثة أو فعل ومرورا بتسميم الأجواء ونهاية بحصد ثمار تلك الحالة المزاجية بايجاد مناخ عصى على اتمام أو انجاز عملية تغيير حقيقية فى المجتمع .. هى حالة تفيد خصوم التغيير الممكن ولا تخدم أصحاب التغيير المرجو.. 
 
من المؤكد أن العوامل التى تدفع فى سبيل اشاعة «المزاج الأسود» اليوم تختلف عن تلك التى كانت موجودة فى عهود وعصور سابقة. قبل ظهور وسائل الاعلام الجماهيرية لم يكن انتشار حالة اليأس أو البلبلة بالطريقة نفسها التى أعقبت ظهور تلك الوسائل من صحف ومحطات تليفزيونية ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعى لتضيف بعدا معقدا جديدا للصورة حيث الجماهير متعلقة بأجهزة الهواتف الذكية على مدى الساعة والتفاعل فيما بينها يحدد الى حد كبير حالة التفاعل العام مع قضايا بعينها. لو نظرنا الى بعض القضايا الاخيرة من أخبار اعتصامات أو اضرابات أو احتجاجات فئوية (الأطباء والمهندسين) أو غير فئوية (الألتراس) ستجد الرأى العام يقفز الى نتائج دون أن يعرف تفاصيل القضية المعروضة أو آراء كل الأطراف فيها. فحجم التعرض لوسائل التواصل الاجتماعى يتيح تواصلا غير مسبوق بين فئات وشرائح اجتماعية متباينة بعد أن سقط جدار عازل بين المتلقين للرسائل الاعلامية وأصبح الجميع شركاء فى صناعة الرسالة وفى حصد ردود أفعالها. 
 
هناك ارتباط بين حالة المزاج العام والثقة فى السلطة (الحكومة)، فالمزاج يكون فى أفضل حالاته عندما يكون الأداء الحكومى جيدا وينحدر عندما يكون الأداء محبطاً، وبالفعل ننعم فى مصر بحالة مزاجية متقلبة نتيجة تذبذب اداء ومعدل انجاز الموظفين العموميين وغياب معايير المحاسبة ونجاح الكثيرين فى الافلات من العقاب. فى المقابل، يوجه المواطن الاتهامات للسلطة عن أخطائها ويحملها أخطاء الأفراد وينسى فى غمرة حماسته أن يوجه سؤالا لنفسه عما اقترفته يداه وكيف يواجه مع أقرانه حالات الفساد والافساد فى المجتمع وكيف يٌوجد المبرر للتكيف مع منظومة الفساد التى يلعنها ليل نهار على «فيس بوك». لو تأملنا جانباً واحداً مما نشكو: كيف ينتظر مجتمع أن يتقدم وهو يستقبل مليون مولود جديد كل ستة أشهر؟ وكيف لا يرى فى الرقم كارثة بينما يتوقع خدمات عامة (تعليم وصحة ومرافق وبنية تحتية) تستوعب الموجود والزيادة المفزعة فى التعداد؟ 
 
توفر الثقة قاعدة بسيطة لصناعة القرار. فاذا كان الشخص يثق فى الحكومة، الجهة التى تنتج وتدير السياسات العامة، يترتب على ذلك أنه سيكون أكثر ميلا لدعم المزيد من التدخل الحكومي. وعندما يطلب من الناس تقديم تضحيات فى سبيل المضى فى تطبيق برامج بعينها، يجب أن يثق الناس فى الحكومة وفى برامجها التى تنتج المنافع الاجتماعية وتحرص على عدم اضاعة الموارد. على سبيل المثال، غياب الثقة أفقد قانون الخدمة المدنية قوة الدفع وجرده من الزخم الضرورى لتمريره فى مجلس النواب على خلفية سريان شعور عام بوجود تعسف فى التطبيق. 
 
الخليط المتسبب فى حالة «المزاج الأسود»، التى ندفع لها دفعاً، تشترك فيه عوامل عديدة ما بين خاص وعام وخلق فضاءات جديدة للتواصل بين قطاعات كانت محرومة فى السابق من الاتصال فيما بينها على نطاق واسع. والمسئول الأول عن مواجهة تلك الحالة هى السلطة السياسية التى تحتاج الى ترتيب أولويات الاصلاح الاقتصادى والاجتماعى والثقافى وإزالة التناقضات فى بنية الدولة ووقف صراع المصالح الضيقة التى تضفى حالة من الكآبة على المشهد العام وتغرى قوى الفساد على الاستقواء ببعضها البعض. تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، عن محاولة اعادة بناء الدولة مرة أخرى بعد أن كانت »أشلاء دولة« من حصاد مرير فى الخمسين عاماً الماضية وهو قول يلقى بتبعات على مؤسسات الدولة والمجتمع المدنى والقوى السياسية أن تصل الى نقطة التقاء لاطلاق اصلاح شامل لا أن تسهم فى مزيد من الفرص المهدرة والى مزيد من الحوارات التى تربك الرأى العام.. وقفة تأمل للمشهد الراهن، سياسيا واعلاميا، كفيلة بأن نستوعب أن العبث قد تجاوز كل الحدود المعقولة وأنه قد حان وقت الوصول الى نقطة نظام بوعى وضمير مجرد من الهوى تنزع من أصحاب «المزاج الأسود» سلاحهم الخطير.. اشاعة الكآبة الخانقة!