بداية أرى انه ورغم سقوط الرئيس إلا أن النظام السابق لازال قائما وربما بشكل جزئي ومؤقت على الأقل خلال الفترة الانتقالية بدليل استمرار حكومة تسيير الأعمال بوزراء النظام السابق ومعظمهم غير مقبول من الناحية الشعبية، والاهم هو أن جهاز الأمن لازال يمارس عمله بنفس العقلية القديمة الممزوجة بتغيير شكلي طفيف ومطالب مستفزة بتحسين أوضاع عامليه، فهذا الجهاز يحتاج إلى عملية تطهير ومحاكمات لعناصر وقيادات القتل والفساد والتعذيب مع ضرورة إعادة هيكلة شاملة لفكره وعقيدته وسياساته وآليات عمله لتكون في إطار الالتزام بالقانون وليس خرقه وفي هذا الإطار اقترح ان يتولى مدني من جهاز القضاء مسئولية وزارة الداخلية لعدد من السنوات لضمان تنفيذ تلك الإصلاحات مع رقابة من منظمات المجتمع المدني.
كما أن الجميع عليهم ان يدركوا ان التخلص مما تبقى من سلبيات النظام السابق ليست مهمة سهلة فدائرة المنتفعين من نظام مبارك ليست ضيقة بل تضم الملايين وتضغط بكل قوتها لاستمرار هذا النظام رغم سقوط رأسه ويكفي هنا أن نشير إلى ان تلك القائمة تضم ما يلي؛ نسبة كبيرة من القيادات العليا والوسطى في الدولة والقطاع العام، الغالبية العظمى من العاملين في وزارة الداخلية، معظم أعضاء الحزب الوطني ومؤيدوهم ولاسيما من البلطجية والمنتفعين، عدد من كبار رجال الأعمال ولاسيما المتصلين بالسلطة ونسبة من العاملين لديهم، نسبة كبيرة من القبائل والعائلات البرلمانية من ذوي الوعي السياسي الضعيف والراغبين دائما في موالاة النظام لتسيير أمورهم وخصوصا في محافظات الأقاليم، جيش إعلاميي السلطة في المؤسسات الإعلامية الحكومية وكذلك الخاصة التي يمتلكها رجال أعمال لديهم مصالح مع السلطة والذين نجح غالبيتهم في التلون السريع.
 وفيما يتعلق بالمستقبل فلاشك أن معظم قرارات المجلس العسكري الذي تولى السلطة حتى الآن ايجابية إلا أن هناك العديد من القرارات التي لازالت مطلوبة على وجه السرعة ولاسيما التي طالب بها الشعب في ثورته وأبرزها الإفراج عن كل سجناء الرأي وسرعة محاسبة رموز الفساد والقتل في النظام خصوصا وان بعضهم لا يزال على رأس عمله حتى الآن. وفيما يتعلق بالدستور وتعديلاته المقترحة الطارئة الخاصة بمواد الانتخابات وشروط ترشح الرئيس فإضافة إلى المثار حاليا اعتقد أننا في حاجة للتحول إلى النظام البرلماني بصلاحيات محدودة لرئيس دولة ونائب منتخب لمدتين كحد أقصى مع وضع شروط من بينها منع ترشح أي قريب حتى الدرجة الثالثة للرئيس الموجود في السلطة مع ضرورة وضع شروط لسن الرئيس ونائبه من40 إلى 60 سنة في مقابل صلاحيات موسعة لرئيس الحكومة الذي يأتي من أكبر كتلة في برلمان منتخب بإشراف قضائي ومراقبة من منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية. وفي هذا الإطار يجب مضاعفة أعضاء البرلمان بحيث يكون هناك نائب لكل 100 ألف ناخب على الأكثر مع إلغاء شرط وجود نسبة 50% عمال وفلاحين، والسماح للمصريين بالخارج بالتصويت، مع ضرورة وضع مادة جديدة تمنح الشعب سلطة مباشرة بتنفيذ مطالبة أو عرضها في استفتاء عام إذا خرج نحو 10% من جموع الشعب إلى الشوارع مثلما حدث في ثورة 25 يناير. كما ان الضرورة تحتم وجود ضمانات دستورية لسيادة القانون على الجميع وتفعيل وتطوير الأجهزة الرقابية والتنسيق مع وسائل الرقابة الشعبية والإعلامية ودخول كل مصروفات الأجهزة الحكومية بما فيها مؤسسة الرئاسة والجيش والأجهزة الأمنية المختلفة ضمن ميزانية الدولة مع زيادة رواتب ومخصصات الرئيس والوزراء والمسئولين لتكون كافية وواقعية وتحول دون انتشار الفساد.
والاهم أن المرحلة الحالية تحتاج لإنشاء ما يسمى "بنك الأفكار" لفتح الباب لتلقي جميع الأفكار المبتكرة لدى جموع المصريين والشباب والكفاءات في الداخل والخارج للاستفادة من التجارب المحلية والعالمية الناجحة في مختلف المجالات وصياغتها في صورة مطالب واضحة ومتابعة تحويلها لآليات عملية لدى جهات الاختصاص، وفي هذا الإطار اعتقد أن البداية يجب ان تبدأ داخليا بالتوسع في العمل التطوعي واللجان الشعبية وإعادة هيكلة القطاع الأهلي ليقوم بدوره إلى جانب الحكومة والقطاع الخاص في معالجة المشاكل الملحة في المجتمع المصري وأبرزها مشاكل الفقر والغذاء والصحة والسكن والتعليم .