الغُرْبَةُ.. كآبةٌ آخر موديل - أشرف الشحات
كثيرا ما كنت أسمع من يقول: إنه من الحماقة التعلق بمكان أو أرض نبت فيها أو تربيت عليها، وإنه من الغباء كذلك التشبث بأناس زُرعوا فينا ونَمَونا نحن فيهم، لأن البذرة الجيدة قادرة على خلق الحياة في أي أرض نامت بين ذراعي طينتها.
فنشأنا متيّمين بركوب سحابات السفر إلى أطراف الدنيا، نمتهن صناعة الغربة، وإنتاج الوجع، وتوزيع الغياب على حقائب هدايانا. نجيد الهروب إلى بلاد اعتقدنا أنها أرحب لاحتواء طموحاتنا، لكن ما لبثت أن رفضتنا هذه السماوات، فغدونا أمواتا غير أحياء بين السماء والأرض، أرواحنا تسبح بين شوارع أوطاننا وجدرانها- على ما بها من فقر أو ضعف أو قهر لنا- وأجسامنا تلهث في أماكن غيرها، على ما بها من غلاء في كل شيء إلا نحن.
*هنا.. نراهن على الجواد الخاسر؛ أن ما سنملكه سيسمح لنا يوما أن نشتري من "بقالات" الغُربة الخربة ما فقدناه من عمرنا فاستبدلنا الذي هو أدني بالذي هو خير، متذرعين أن إجازة مؤقتة من حياتنا، يوما ستردها لنا كاملة.
*هنا.. حيث يعيش الواحد منا "آلة حاسبة" متحركة، فتجد الواحد منا نشطا في أكثر الأحيان، لكن روحه سقطت من حافظة عمره، ولا يكاد يشعر إلا بالبرودة تستوطن قلبه، حتى مع أشد درجات الحرارة ارتفاعا، فتختفي مع الوقت لديه حواسه الخمس، أو تتطور إلى عكس آدميتها لتسقط بين أنياب المادة، ومخالب اجتياح الاحتياج، فيعيش أحدنا متخفيا في ملامح إنسان، على أمل وهمه الكبير.. الحياااة.
*هنا.. يسقط العمر في براثن انتظار قطار الأحلام، بين أنياب الطموح المسربل باللا انتهاء، فما تلبث أن تهرب من حلم الجنين بأن يخرج من رحم أمه إلى الدنيا بأبسط أساسيات حياة المرء (زواج أو شقة أو سيارة) ، إلى كابوس الطواغيت والجبابرة في ألا يخرجوا من الدنيا مطلقا، إلا بكنوز فرعون وهامان، بل وبيل غيتس أيضا، وأضف إليهم الوليد بن طلال إن استطاع.
*هنا.. لا يعرف المرء فينا ولا ينتظر ولا يرى سوى النهايات، فينتظر نهايات الدوام لينفض عن كاهله كابوس العمل، ويبحث عن نهاية الأسبوع ليأوي إلى حضن الراحة مدركا في قرارة نفسه أنه استطاع قتل أسبوع من الشهر الحالي الجاثم على قلبه، مشرئبا بعنقه إلى نهاية الشهر، ليعلمه حسابه البنكي أن رقما جديدا من المال استوطن جيبه، ومنها إلى نهاية العام التي لعلها توحي بأفول دينٍ عليك أو إشراقة مبلغ بخس أو ضخم يلقى عن كاهلك، يسكرك ظنك فيه أنه قد يكون محطة تستريح فيها حينا من الوقت من لهاثك الأبدي خلف عطش المادة.
*هنا يسّاقط الموت على أعمارنا دون أن ندري، فكأني بالإنسان إذا أتاه ملك يخبره أنه بأمر الله موكل بأن يجعل عمره كما يريده هو، فإذا بهذا المغترب اللاهث خلف طموحه الهش، يرجوه أن تمر الأيام والشهور والسنوات عليه بسرعة البرق، إذ في مرور هذا العمر، لا شك أن دنانير ودولارات وعملات من شتى بلاد الوجع، سوف يقايض بها عليه، والذي يفاجؤك أن هذا العمر الذي ترجم إلى أرقام بنكنوت، ربما لم يبق فيه ما يسعه لإنفاقها.
*هنا.. نضحك على أنفسنا بأن المادة حمار استأجرناه لتحقيق آمالنا، لكننا- ويا أسفا- بدلا من أن نركبه لمآربنا ركبنا هو.
*هنا.. تفشل كل محاولات المرء لاستنساخ الفرح، رغم ذلك ندعي أننا امتلكنا الطريق إلى السعادة وسنصل حتما لها، لكنه الوهم الذي تقتات عليه أيامنا لتستمر في كسرنا واستعبادنا باسم الاستقرار وتأمين الحياة التي ستكون جميلة وسهلة يسيرة، إذا جعلنا الوسيلة قليلا من التعب، ثم سنستريح بعدها في حياة كريمة رغدة، وتلك هي الغاية، غافلين أننا بذلك نبيع الغاية من أجل الوسيلة.
*هنا.. حدث ولا حرج عن حياتنا البلاستيك لك ولأسرتك ولعباداتك، حتى التي اختصرنا معظمها في (الرزاق- الكريم - المغني)، وكل ما يدل على الأمل في الخالق أنه سيعطيك المال الذي تريده، وكأن الدين اختصر عند هذه المعاني فقط.
*هنا.. كآبتنا آخر موديل في ملابسنا ومقتنياتنا وسياراتنا، لكن ذكرياتنا (شعبية) متهالكة وموضتها قديمة، وأعمارنا مهترئة بالية، توشك أن تكون زادا للموت.
*هنا.. أكثر من يستحق الشفقة، إنسان ضيع عمره في الغربة، ليجمع ثروة الطبيب الذي سيعالجه في النهاية.. من أمراضها.
*هنا.. نحن مستمرون– ولا أستثني نفسي– في بطولة مسلسل الغربة تحت شعار القائل:
مشَينَاها خطى كُتِبَتْ علينا ومنْ كُتبتْ عَلِيه خطى مَشاها
ومنْ كانتْ منيتُه بأرضٍ فليسَ يموتُ في أرضٍ سواها
من يوميات مغترب (قرفان)