أكثر من ابتلوا بمرض "هوس الخوف من الحسد، أو الـ(حسدفوبيا)" لا تجد خوفهم هذا ينم إلا عن خلل في الاعتقاد.. هؤلاء الناس يخافون الحسد أكثر من اعتقادهم في الله- ذي القدرة على حفظهم من كل سوء بأمره سبحانه- وملائكته..
هؤلاء- ولعلي لا أكون قد أصبحتُ بعد منهم، فابتليت بعدوى هذا المرض إلا قليلا، جراء معايشتي لأكثرهم بالخليج، وهم موطن كلامي- قد اختُصِرَ القرآنُ استخداما في حياتهم إلى المعوذتين- وكفى بهما- ولكن يبقى السؤال: لمَ هذا الخوف إلى حد قد يصبح معه أحدهم كذاباً، مبالغة منه في إخفاء أمر ما يحسبه مجلبة للحسد؟! لمجرد فقط أنه يعتقد أن الله أنعم عليه بما لم ينعم به على غيره.. أوليس الكذب مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: "وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" فلأن يُحسد المرءُ ويتداركه الله بعنايته وحفظه، خير من أن يكتب عنده كذابا، لكنه يفضل أن يبوء بغضب الله عن أن يقع تحت افتراضية أن يحسده أحدهم رغم أنه في هذه في عناية الله وحفظه وليس غضبه وسخطه.
فيظل هذا- يا أسفاه- ليل نهار موجها بوصلة شروره إلى أشخاص من حوله، عدّهم وصنفهم له شيطانه، أنهم حسّاد مولانا الذي أوتي ما لم يؤتَ أحد من العالمين من نعم، وقد لا ينام ويظل مترقبا ضررا سيصيبه طيلة اليوم، لأن فلانا رآه هذا الصباح، رغم أنه هرول إلى آيات القرآن وقتها، لكن مازالت نفسه المريضة تترقب ما سيناله جرّاء هذا الشخص الذي التقاه في فاتحة يومه.

الغريب في هؤلاء أنهم اختذلوا هذا الخوف أيضا فيما حصدته أيديهم من دنانير وجنيهات، كأنهم- لنظرة دونية فيهم، ولفقر أيضا بين أعينهم- لا يرون لهم نعمة غيرها تستحق تجنيد أنفسهم للحفاظ عليها، فهي فقط المخولة بحراسة "بودي جارد" القرآن (المعوذتين)؛ فتجد الواحد منهم لو خيرته بين أن ينشر صورة أبنائه وأهله على الملأ، على ما بالأهل والذرية من نعمة وفضل من الله؛ لو خيرته بين هذا وإعلان شرائه لحذاء أو جاكيت أو سيارة أو شقة مثلا، لفضّل ودون تفكير أن يعلن الأولى، كونه اختصر نعم الله عليه- الموكل بحراستها- في ما تفعله النقود بيعا وشراء، أما الأهل والأولاد فلا ضير عليهم، فهم يذهبون ويأتون و{كل نفس ذائقة الموت} أما ما عداها، من أموالهم، فلا يمكن أن يمر هذا الموت عليها، ولتظل هي خارج دائرة الابتلاء ولنتعهدها ليل نهار بالتحصينات.
أكثر هؤلاء يستحقون الشفقة والرثاء، لما يعيشون فيه من جحيم الخوف من الغير، متذرعين بقولهم إن الحسد مذكور في القرآن في قوله تعالى {ومن شر حاسد إذا حسد}، متناسين- لسطحية وجهل بهم أو لتقصد رؤية النص من خلال هذا الأفق الضيق والقراءة الضحلة- أن بالآية تقييدا بالظرف {إذا} لتفحمك قائلة لك: إن حسد الحاسد كامن في نفسه لا يضر أحداً إلا {إذا حسد}، ولذلك قد يَرى الحاسد صاحب نعمة ولا يحسده، إما لأن نفسه لا تتعلق بتلك النعمة، أو لأنه لا عداوة بينه وبين ذلك المنعم عليه، فلا يضره، فلا تحسب يا سيدي وريث كنوز قارون وهامان أن العالم مشغول بك، ولا تهدأ نفسه إلا بمتابعتك، وعدّ أنفاسك أقصد "بنكنوتك"، فحتى الحاسد قد لا يراك كونك أقل من ذلك الوهم الذي تسجن نفسك فيه ليل نهار، وكأنك مركز هذه الأرض، وشغلها الشاغل. وهنا أذكر: هل نسي- أو قل تناسى هذا أيضا- أن التحدث بالنعمة مذكور في القرآن أيضا {وأما بنعمة ربك فحدث}، فكل مسلم وكل مسلمة عليهما التحدث بنعم الله الكثيرة عليهما وشكره- سبحانه- عليها، منها نعمة السمع والبصر والصحة والولد والزوجة والزوج، والمااااااااااال، الذي قُدم الخوف عليه دون كل النعم في الخليج فقط.
وأخيرا يا أخي المبتلى إن كنت لا بد ممسوسا بهذا المرض- عافاني الله وإياك، وكلنا مثلك- فلا تجيّش نصف طاقاتك في الحياة لجمع هذا المال، ونصفها الآخر لحراسته، فما أبخسها من حياة وما أبخسه من خوف، ولن أنسى أيضا أن أوصيك ألا تحشر أنفك- رجاء- بخصوصيات الآخرين ونعم الله عليهم، فهم شأنهم شأنك، من حائزي نعم الله وفضله، لكنهم ليسوا بكذابين، ولم يمرضوا - بحمد الله بعد- بهذا المرض، فلا تسأل عن أشياء إن تُبدَ لكَ.. تسوءهم، ليس ذعرا من حسدك، فقد وكلوك إلى ربهم، ولكن (قَرَفَاً) من حشريتك.

من يوميات مغترب (قرفان)