شكل تعميم الأحكام لدى البعض أساسا ينطلق منه في تعامله مع الآخرين من الأفراد والجماعات, ويتسبب ذلك في الكثير من المشكلات التي قد يقع فيها المرء في وقتنا الحالي, وعادة ما تنجم الخلافات الحادة نتيجة لذلك, ومع أن ديننا الحنيف يدعونا لعدم التوجه نحو ذلك, ففي قوله تعالى:}وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى{ }الزمر: 7[, إلا أن ذلك يغيب أو يُغِيب عن أذهان البعض, فيبدأ بتقرير الأحكام وتعميمها على الفئات أو الأجناس أو الطوائف, ومن ذلك مثلا حكم المرأة على الرجال بأنهم جميعا خائنون أو مستغلون نتيجة لتجربتها الشخصية أو نتيجة تجارب من تعرفهم من النساء, والأمر ذاته ينطبق على الرجل أيضا, ولا يتوقف التعميم عند هذا الحد إنما هو مجرد مثال, حيث نجد ذلك لدى الكثير من أفراد المجتمعات عامة. وكما نجد الأمر عند الأفراد نجده أيضا لدى الجماعات, فهو يشبه الداء المعدي الذي يبدأ من الأفراد لتكبر دائرته وتتسع لتصل فكرة التعميم لدى معظم أفراد الجماعة أو الطائفة ثم يصل ذلك ليشمل مجتمعا بأسره. ولا شك بأن تعميم الأحكام يأتي من تجارب محدودة أو شائعات لا تستند إلى حقائق, أو يأتي من التعصب أو التطرف, ويسبب النزاعات والصراعات بين فئات المجتمع ومكوناته, وتؤدي إلى تأخره وربما تدمر الروابط بين أفراده وجماعاته وربما تتسبب في النهاية بانهياره. إن خطورة هذا التوجه في الأحكام المسبقة تتمثل في كون من يتبعها يقوم بنشر الأحداث والمواقف في غير مساحتها الواقعية, ويعطي هذه الأحداث حجما أكبر من حجمها ليلبس ثوب القاضي والجلاد في الآن نفسه, فنجده يحلل ويصنف ويزايد ويضخم دون الالتفات إلى ما قد يسببه من آثار سلبية تعود على المعنيين بتلك الأحكام أو على المجتمع بكل مكوناته, فهو لا يطلق الأحكام على متهم بعينه بل يصدرها على الآلاف من الناس أو أدلة أو واقعية, فالمتهم واحد أو فئة صغيرة لكن الحكم يشمل طائفة أو حزبا بأكمله, ليكشف بذلك عن البنية الاجتماعية الضعيفة والروابط الهشة التي لا تحتمل أي حدث, فمن أطلق الحكم على الجماعة لديه صداقات وعلاقات تربطه بأفراد من تلك الفئة, فكيف لفرد من الأفراد أن يتهم صديقه ويطلق عليه الحكم دون دليل. إن لإصدار الأحكام وتعميمها على الفئات أسبابه ودواعيه, فالحدث يمثل فرصة أمام البعض لتحقيق مآرب وأهداف غير معلنة, فيأتي حكمه مبنياً على تجارب سابقة وهواجس نفسية طاغية على شخصيته, فيعمل على ترويجها ليحقق مصالح شخصية لنفسه أو لجماعة معينة دون النظر إلى ما تتسبب به تلك الأحكام من تبعات. إن لهذا التوجه في إصدار الأحكام وتعميمها خطورة بالغة على المجتمع, فهي بلا شك تؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي وتؤثر على سلامة النمو لدى النشء والشباب, وتساعد كذلك على تنمية الفكر المتطرف, وتشكك في ولاء الأفراد والجماعات, وقد تأتي على جميع إنجازات المجتمع, وتكون بعد ذلك عاملا من عوامل الخوف وفقدان الاستقرار وعدم الإحساس بالأمان. أدرك ويدرك معي الكثير من أبناء الكويت المخلصين بأن تعميم الأحكام آفة اجتماعية فتاكة, قد تسبب في فقدان الكثير من منجزاتنا ومن روابطنا القوية التي طالما تعنينا وافتخرنا بها أمام العالم, من هنا تأتي أهمية البحث عن الحلول لمنع انتشار هذا الآفة قبل أن تتفاقم وتصبح ظاهرة يصعب مداواتها. في المقالة المقبلة سأتطرق إلى الحلول التي يمكننا من خلالها تلافي هذه الآفة ومنعها من النيل من تماسكنا ووحدتنا, ولتبقى الكويت المنارة التي نسير على هديها ونجتمع على التفاني في حبها وعزتها. g.h.karam@hotmail.com