بقلم :غنيمة حبيب

برزت مشكلة التطرف والتعصب, وربما العنف الطائفي, من بين المشكلات التي تتصدر قائمة اهتمام مجتمعات العالم, وأصبحت تحظى بالاولوية الملحة في البحث والدراسة بهدف التوصل إلى الحلول, وقد تنبه بعض الباحثين إلى ضرورة الحيلولة دون تنامي هذه الآفة وتفشيها بين أفراد المجتمع, خصوصا لدى النشء, وذلك من خلال دراسة المشكلة وأسبابها, والأخذ بعين الاعتبار أبعادها التربوية وصداها الاجتماعي, والأعراض التي ترافق الشخصية القابلة للتوجه نحو التطرف والسلوك العدواني.
لا شك ان سمات التطرف الملاحظة, سواء كانت في الفكر أو في الأحاسيس والمشاعر, أو في حتى السلوك, ليست مشكلة وليدة لحظة بعينها, لكنها نتيجة تراكمات من الأحاسيس بالاضطهاد والشعور بالدونية لدى بعض الأفراد الذين لديهم استعداد فطري للتوجه نحو التطرف الفكري, من هنا تأتي أهمية استكشاف الملامح الدالة على الشخصية القابلة للسلوك العدواني مبكرا لدى الأطفال, للحيلولة دون تنامي الحس العدواني والفكر المتطرف بأنواعه المختلفة, كالتعصب الفكري, أو الاجتماعي, أو الطائفي, أو السياسي, سواء كان ذلك على مستوى الشعور والأحاسيس, أو كان على مستوى السلوك العملي.
وتبدأ مرحلة ظهور أعراض التطرف لدى الإنسان في سن مبكرة للنشء حسب ما يرى الباحثون والعلماء, وهناك الكثير من الدراسات التي حاولت استشعار ملامح الشخصية القابلة للسلوك المنحرف لدى الأطفال وإبرازها ووضعها في إطار واضح ومحدد, حيث يمكن ذكر ما جاء في هذه الدراسات على النحو التالي: منازعة طفل طفلا آخر على ملكية شيء ما, أو أحقيته في احتلال مكانة خاصة, ومطالبة أحد الأطفال باستبعاد طفل آخر من جماعة اللعب, أو من جماعة الرفاق, محاولة فرض الرغبة على الآخرين في اللعب, والتمسك بحق التفوق على الآخرين, محاولة فرض الأسلوب الخاص في تنظيم النشاطات بين الجماعة, ومحاولة إجبار أحد الأطفال الآخرين على الكذب أو الغش.
وعند النظر إلى ما جاء من أعراض سالفة الذكر, قد يرى الكثير ان ما ورد فيها قد تكون سمات ملازمة للطفل وليست أعراضا يمكن الركون إليها أو التسليم بها, كما يرى آخرون انها تفتقد للكثير من الدقة ولا يمكن تعميمها, ولكن هناك سمات إن ظهرت في الطفل فإنها تكون غير قابلة للشك وتكون أكثر دقة في تحديد الشخصية القابلة لامتلاك الفكر المتطرف لدى الأطفال, كالميول نحو الحب بشكل حاد, والميل نحو إرضاء الآخرين بشكل مفرط, أو النضال في سبيل تدعيم فكره وإثبات صحة رأيه, أو كره الآخر وإيثار الذات على الآخرين والأنانية المفرطة, فيما يمكننا, على المستوى العملي, ان نلاحظ هذه الشخصية من خلال الميل للاشتباك البدني غير المبرر, أو فرض تصرفات محددة على الأطفال الآخرين, أو العطاء المفرط, أو تحميل الذات أكثر من طاقتها في تحمل مسؤولية الجماعة والدفاع عنها والتضحية من أجل مصالحها.
وتتلازم هذه الصفات وتنمو مع شخصية الطفل في المراحل المتقدمة من حياته, لتترجم على أشكال مختلفة, منها الكره الحاد للآخر, والعنصرية القائمة على أسس مختلفة كالجنس أو لون البشرة أو الدين والمذهب أو الاختلاف الفكري.
لكن الكثير من هذه السمات قد تبقى في وضع محدود غير قابل للتطور, وقد تزول في مرحلة لاحقة من العمر, ويعتمد ذلك على الظروف المحيطة التي من الممكن أن تساعد على تنمية الفكر المتطرف وتزيده حدة, أو تقف حائلا دون تناميه وتطوره, من هنا أكد الباحثون على أهمية الجانب التربوي في مواجهة هذه الميول, ويقول باترسون أن »للجانب التربوي أثرا كبيرا على السمات الشخصية وتعديل السلوك«, ويرى ان المربي »يحاول غرس الجانب الإيجابي في الطفل, في حين يحاول الطفل الحصول على درجة من التقبل لدى المربي«, وفي ضوء ذلك ندرك المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق الأهل والمؤسسات التربوية المختلفة, وما يتوجب عليها الأخذ بعين الاعتبار ما أكدته الدراسات في مواجهة الفكر المتطرف والحد من آثاره السلبية على الفرد والمجتمع والدولة.
في المقالة المقبلة سنتناول أسباب الفكر المتطرف والعوامل التي تؤدي لتنمية السلوكيات المنحرفة لدى الأطفال, آملة أن تكون حصلت الفائدة المرجوة في تكوين فكرة واضحة لدى الأهل لملاحظة الأعراض المبكرة للسلوك المنحرف لدى الأبناء من أجل محاولة التصدي لها قبل تناميها.