أصبح الإرهاب ظاهرة تفشت وانتشرت فى معظم بلدان العالم وليست فى مناطق محددة بعينها فحسب، وبات خطراً يلاحق البشرية أينما وجدت، ويهدد وجودها على ظهر الحياة. فهل ياترى كيف نشأ هذا الإرهاب ؟ ومن الذى يدعم إنشاؤه بالتمويل المادى المقدر بمليارات الدولارات وبالأسلحة المتطورة ؟ ومن له مآرب من وجود هذا الإرهاب ؟ وكيف يتم معالجة هذه القضية من منظور التفكير العلمى الصحيح ؟ لا شك أن هذه التساؤلات الهامة تستدعى منا الوقوف أوقاتاً طوال للبحث والتدقيق والتعمق لكى نصل إلى إجابات دقيقة ومناسبة لها حتى يتسنى لنا معرفة حقيقة هذا الأمر والوقوف على أبعاده وملابساته ،ومن ثم نصل إلى الحل الأمثل للقضاء على هذا الإرهاب وإجتثاث جذوره نهائيا . أما بالنسبة لنشأة هذا الإرهاب وإنتاجه كمنتج هدام وفتاك يعصف بحياة الشعوب الآمنة المطمئنة لم تأتى عبثاً أو من فراغ بل تأتى ضمن ممارسات ومساعى ومخططات دولية من قبل دول عظمى وغير عظمى تسعى إلى تحقيق مصالحها وتأمين مستقبل شعوبها على حساب حياة شعوب أخرى وعلى حساب أمن وسلامة هذه الشعوب، كما أن هذا الإرهاب يعد الأداة التى تمهد الطريق أمامهم وتهيىء لهم التدخل والتقدم لتحقيق أهدافهم الظالمة الغير مشروعة دينياً أو دنيوياً أو حتى إنسانياً من نهب للثروات المعدنية والبترولية ورواجاً وتسويقاً لمنتجاتهم من السلاح والعتاد. فعند هذه النقطة أقول لهم بإذن الله سوف تخسئون وستبوء مساعيكم بالفشل لأنكم تجورون على حياة الشعوب وتريقون دماء الأبرياء وتكرهون السلام والإستقرار وحقوق الإنسان( وليس كما تدعون ) ولأنكم تخططون وتفكرون وأنتم تنظرون تحت أقدامكم وتظنون أنكم فى منأى وفى حصنٍ منيع من هذا الإرهاب وأخطاره الجسيمة فأقول لكم: كلا وألف كلا فالإرهاب سينال منكم كما نال من قبل وستكون بلادكم فى خراب ودمار من تطوراته المستمرة وإنتشاره السريع، فالإرهاب الأعمى كالمرض القاتل ينتشر وبسرعة فى كل مكان بغض النظر عن المكان الذى بدأ منه أو نشأ فيه، فيبدد الأرواح هنا وهناك ويدمر بلدان هنا وبلدان هناك ويقضى على حياة هذا وذاك دون أى تمييز أو أى إعتبار ما إذا كان هذا عربى أو أجنبى أو مسلم أو مسيحى أو يهودى فهو يهرول كالأعمى الذى لايرى أمامه سوى الإصطدام بكل شىء يعترض طريقه أو يقف أمامه هكذا هى الحقيقة المرة للإرهاب أيها الحمقى أيها السفاكون للدماء أيها الباغضون على سلامة وإطمئنان الشعوب. أما فيما يتصل بصناعة الإرهاب فلها مصنع خاص متعدد المراحل وخطوط الإنتاج ويتمتع بالكفاءة والإحترافية ويمتلك رأس مال ضخم يأتى من كل حدب وصوب كما له أيضا إدارة دولية تدير وتخطط وتمول من أجل الوصول إلى المنتج المنشود وهو ظاهرة الإرهاب والتى يدفع بها إلى الدول المستهدفة على أجندة مصالح هذه القوى التى تعيث فى الأرض خراباً ودماراً، والناقمة على مبادىء الأمن والأمان والإستقرار التى هى من حق كل إنسان فهذا المصنع أو هذه المنظومة تتم من خلال ثلاثة مراحل رئيسية كالتالى :- المرحلة الأولى : وهى أهم وأخطر مرحلة من وجهة نظرى لأنها بمثابة النبتة الأولى والأساس الذى ستبنى عليه المرحلتين الثانية والثالثة وتكمن فى شيئين غاية فى الخطورة أما الأول/ فهو كيفية إستقطاب الشباب من كل مكان وجذبهم بإعتبارهم المادة الخام المطلوبة فى عملية الإنتاج والتنفيذ فعملية الإستقطاب هذه هل تتم من خلال إستغلال الحالة الإقتصادية المعدمة والفقر المدقع لدى الفرد أو الشاب ووعده بتيسير معيشته وتذليل عقباته من أجل السير على خطاهم وإتباع منهجهم ؟ أم أنها تتم من خلال الخداع والمتاجرة بإسم الدين ؟ أم أنها وجدت فى عقول الكثير من الشباب البيئة الخصبة المناسبة لغرس وترسيخ أفكارهم المتطرفة المتشددة ؟ كل هذه التساؤلات واردة وممكنة فى ظل ما نعيشه الآن وما نراه حولنا ثم بعد ذلك يأتى الشىء الثانى/ ويدور حول التهيئة العقلية والذهنية والنفسية وتنظيم وبرمجة العقل لإستقبال أفكارهم الخادعة المضللة التى من شأنها تكفير المجتمع ومحاربة الجيش والشرطة وتحليل دماءهم لأن ذلك من وجهة نظرهم الخاطئة تماما يعد جهاداً فى سبيل الله ودفاعاً عن الإسلام وتطبيقاً للشريعة الإسلامية فالإسلام بكل جوانحه الممتدة وبكل صفاته السمحة ومبادئه السامية يتنافى كلياً وهذا الفكر الشاذ كما أنه برىء من كل هذه الإفتراءات والأكاذيب، ومن ثم أصبح الشاب فرداً معد فكرياً ونفسياً وذهنياً للإنتقال إلى خط الإنتاج الثانى أو المرحلة الثانية . المرحلة الثانية : وبعد أن تهيأ العقل وتشبع بالأفكار المتطرفة الظلامية وأصبح متحمساً لها وشغوفاً بها تأتى عملية التهيئة البدنية والإستعداد القتالى بالتدريب الفائق السرعة والعالى الكفاءة على كافة الأسلحة الثقيلة والمتفجرات وكيفية التعامل بها والتكيف معها وكيفية تنفيذ الخطط على أرض الواقع فى المكان المعين والزمن المحدد بإستخدام وسائل تكنولوجية حديثة ومن ثم تحول الشاب من فرد سوى بسيط إلى مقاتل غير سوى يتمتع بمواصفات إرهابية عالمية . المرحلة الثالثة : وهى الغاية العظمى والهدف الأسمى لدى هذه الدول لأنها بمثابة الطريق إلى الهدف و الفوهة التى يخرج منها الإرهاب بعد إجادة صناعته بالتمويل والتفكير والتدريب والتخطيط كى يدخل إلى أرض الميدان وإلى مسرح العمليات فيدمر ويواجه ويقتل ويخرب وكأنه يشبع رغباته من القتل وخلافه كالذى يصطاد أو يمارس الرياضة . ثم بعد ذلك تجد هذه الدول ترفع شعارات خادعة تندد بها هذا الإرهاب وتتبنى مبادرات دولية للتكاتف والتوحد من أجل مجابهته ومقاومته وكأنهم يمارسون الضحك والخداع على عقول البشرية فهم يخدعون أنفسهم أولاً وآخرا، فمؤامراتهم الخسيسة تكشفت ونواياهم الخبيثة اتضحت ولن يتبقى سوى المواجهة والمقاومة بكافة السبل الممكنة فنحن الآن فى مصر نواجه حرباً شرسة ضد هذا الإرهاب المسلح بالمواجهات الأمنية فقط وهى غير كافية ولن تغطى هذا الإرهاب بكافة مراحله ولو تأملنا كافة المراحل التى وردت آنفاً فى صناعة الإرهاب سوف نجد أن المواجهة الأمنية تعالج المرحلة الثالثة فقط بتصفية الإرهابيين ودحرهم وكأننا نعالج القضية من زاوية واحدة وليست هى الأهم من وجهة نظرى لأن المصنع مازال ينتج والتمويل مازال مستمر فمن الضرورى والواجب إتخاذه سريعاً بعض الإجراءات والتدابير تتوازى وتتزامن مع التحركات الأمنية حتى ندرأ هذا الخطر ونقتلع جذوره والقضاء عليه تماما وهى كالتالى :- 1- تشكيل لجان وقوافل من الرموز الدينية الوسطية ومن الرموز الوطنية و الثقافية والواعية تجوب القرى والكفور والنجوع فى كافة محافظات الجمهورية لتوعية الشباب بأبعاد المؤامرة وخطورة هذه الجماعات على سلم وتماسك المجتمعات، وتحصين عقولهم من تسلل هذه الأفكار الهدامة إليها فالتحدث فقط من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لا يكفى أو بالمعنى الأدق لا يصلح لأن هناك أماكن معزولة عن الوطن تماما لا يصل إليها لا وسائل إعلام ولا غيره وهذه الأماكن حقيقة تعد منبع للخطورة ومغنم للتطرف والإرهاب . 2- إحكام الرقابة أكثر من ذلك على المساجد التابعة للأوقاف والغير تابعة وتجديد الخطاب الدينى بما يتفق والقضايا العصرية والتطورات العالمية المتسارعة وأن تستحوذ خطب الجمعة والدروس الأسبوعية على مناقشة هذه الأفكار من منطلق تعاليم الإسلام الصحيحة وتوضيح العلاقة العكسية بين هذا الإرهاب وبين الإسلام بل والأديان السماوية الأخرى فمواجهة الفكر لن تتأتى إلا بالفكر . 3- تغيير إستراتيجية وزارة الشباب والرياضة الحالية لأن تشمل جميع شباب مصر وليس فئة معينة والتى هى فى المدن وعواصم المحافظات فلابد من وضع استراتيجية شاملة وواضحة تواكب التغيرات والمستجدات فى الحياة وتملك آليات وأساليب تستقطب الشباب والنشىء وجميع الأعمار. 4- حل مشكلة البطالة لأنها القنبلة الموقوتة التى تنفجر فى وجه الدولة فى نهاية المطاف فتجد الإرهابى هذا كان شابا عاطلاً دفعه الفراغ إلى السير على هذا الطريق إما بحثاً عن الأموال أو إشغالاً لفراغه أو إنتحاراً من الحياة ليأسه وإحباطه من نيل الأمل والسعادة (هذا الحل طويل المدى نسبياً ) 5- قطع العلاقات نهائيا على جميع الأصعدة مع كل الدول التى ثبت تورطها فى أعمال إرهابية أو تحريضية فى بلادنا إما بطريق مباشر أو غير مباشر . 6- عدم النقاش على شاشات الإعلام أو النشر فى تفاصيل العمليات الأمنية والخطط المتبعة بل لابد من الإكتفاء بتناول النتائج والمؤشرات فقط وتحليلها بالطرق الموضوعية التى تبعث بالتفائل وذلك حفاظاً على سير العمليات كنوع من التضييق المعلوماتى على هذه الجماعات . 7- العدالة الناجزة والأحكام القضائية الرادعة ستكون عبرة لمن يعتبر ورداً قاسياً على كل مجرم . 8- توحد الشعب مع قواته المسلحة والشرطة بالإرشاد عن الإرهابيين المجرمين الذين لا يزالوا يضربون فى جذور الوطن . 9- التطهير الشامل لكافة مؤسسات الدولة من هؤلاء الإرهابيين و من يتعاطف معهم لخيانتهم للوطن والتآمر عليه . 10- رفع مستوى المعيشة وتوفير الخدمات الحيوية المطلوبة للمواطنين والعمل على تيسير حياتهم وإزالة اليأس و الإحباط من نفوسهم بنشر السعادة وتوفير الحياة الكريمة الآمنة لهم. حفظ الله مصر من كل سوء وحفظ شعبها الأبى العظيم _____________________________________________________________________________________ * ولد هذا الموضوع نظرا لتزاحم الأفكار داخل عقلى وإهتمامى البالغ به كباقى المتابعين فأردت أن أحاول تفسير وتحليل هذا الواقع الأليم( فنحن جزء منه) عن طريق البحث العقلى الذاتى والتصور المتواضع لأبعاد هذه القضية ومحاولة وضع روشتة لمداواة هذا المرض القاتل الذى أصابنا لعلها تصيب وتنجح وأتمنى أن أكون موفقا فيما أقبلت عليه وتناولته بفكر متواضع يتفق وقدراتى العقلية والتحليلية . moh.amr2015@yahoo.com