احمد عفيفي يكتب : صاحب الصورة اللي معرفوش!!
مين الولد ده ؟ ده السؤال اللي كل واحد سالهوني اول ما ورّيته الصورة ..طبعتها بالألوان عشان العمق اللي فيها يبان .. لاحظوا ، الكل سألني مين "الولد " ده .. مش مين ده .. تفرق كتير .. وسألوني برضه ليه الدموع نازلة منعنيه ؟ .. السؤال غاظني اوي ، لان اللي يسأل السؤال ده ، ميستحقش يقرا المقال ،ولو انا سألت نفسي نفس السؤال ابقى مستحقش ان أنال شرف الكتابة عنه.
هو ده واحد من اللي ماتوا في مذبحة سيناء الأخيرة ؟ سألني صاحبي .. فقلت لهلأ .. هو لسه ممتش .. بس حيموت!
الصورة دي لقيتها ع الفيسبوك بعد مذبحة العريش الأخيرة .. لولد من ولادنافي سيناء .. عايز اقولكم انها قطّعت قلبي ، ودموعه اللي نازلة زلّزلت كياني ..بصوا للصورة كويس ودقّقوا في ملامح " الولد " .. شوفوا عنيه الشمال" مرغرغة " عنيدة ، دموعها مش عايزة تنزل .. وبصوا لدموعه في عينيهاليمين اللي مقدرتش تحبس نفسها ، فسالت وغرّقت خده .. عين أبيّة وعين ليّنة ،ودمعة غالية على حاجة هو الوحيد اللي عارفها .. يمكن بيعيّط على صاحبه اللي كانلسه واقف جنبه وفي لحظة ملقهوش ، يمكن كانوا بيسلوا نفسهم بالحكاوي عشان يكسرواحدة الملل وسط صحرا مفيهاش ونيس ، يتكلموا شوية ويضحكوا على نكتة قديمة او جديدة ،ويمكن يكونوا بيضحكوا على موقف واحد منهم اتعرض له ، وفجأة جاتهم الضربة من خسيس ،لاهما شايفينه ولا عارفين جه منين .. بقولكم خسيس ، خسيس عارف انه مش أد الولاددول عشان يعلنها حرب صريحة .. واحد قصاد واحد انت بسلاحك وانا بسلاحي "ياقاتل يامقتول " ، لو أد انك تواجه ، تعالى ، وصاحب الحق فينا ربك حينصره.
برضه معرفناش ليه كان بيبكي .. اللي قلته مجرد تخمين .. ماهو واخد على كده.. يبقى اخوه واقف جنبه ويموت .. الموت عنده عادي مش مفاجأة .. يوووووه .. خلّيههو يحكيلك عن محمد وحسين ومينا وجرجس .. والنقيب فلان والعقيد فلان .. كله بيموت.. فأكيد أكيد مكنش بيعيّط على صاحبه واخوه اللي مات .. بس الصورة والدمعة على خدهحارقة .. اكيد فيه حاجة تانية انا مش عارفها .. طيب ما اسأله .. بس هو مش قدامي ..اسأل الصورة .. ليه صاحبك كان حزين اوي كده؟
على فكرة وانا بكتب دلوقتي ، حاطط الصورة قدامي على شاشة الكمبيوتر .. عشاناعرف اكلمها .. حاجة غريبة جدا ، الصورة بتتحرك قصادي والولد صاحبها بيكلمني .. مشساعات بتسمع حد يقولك الصورة حتنطق .. اهو حصل بجد .. الصورة نطقت وقالت لي : ليهصاحبها بيبكي.
ليه يادفعة .. دموعك سايلة والحزن كأنه توأمك .. ورغم كده ايدك بتأديالتحية .. ناسي نفسك ومش ناسي واجبك ومهمتك .. ليه يادفعة " البصة " منكليها الف معنى .. هى " بصة " حزن وألم ، ولا بصة لوم وعتاب لناس بتحبهموكل اللي بتعمله ده عشانهم .. ليه يادفعة .. جاوبني ارجوك.
بصّلي والدموع لسه في عنيه وقاللي : الموت عندنا مش بنعمله حساب .. عايزاقولك ان احنا عايشين عشان نموت هنا مش على فرشتنا .. اوعى تستغرب .. مفيش واحدمننا مش بيتمنى الشهادة .. طيب اقولك على حاجة حصلت من ساعتين .. مش حتصدق : مصطفىالمحلاوي كان معايا جايب لي التعيين بتاعي " التعيين في الجيش يعني الأكل" .. اخدته منه وقلت له : طيب ماتيجي ناكل سوا وافتح نفسي ، فرد : وخدمةالبوابة اسيبها لمين .. ده احنا عايشين في صحرا وسط ديابة .. لازم عينك وسط راسك.. متبصش للطبق اللي بتاكل منه ، غمّز اللقمة وايدك عارفة مكان " بقك ".. بكره مش حاكون خدمة .. حنتعشى سوا .. الواد محسن ابن ابو سليم جي م البلد واميبعتالي فطير مشلتت وقشطة وجبنة قديمة ، ابقي فكرّني اقول للمقدم صلاح ، أصله بيموتفي المشلتت.
بكره كان بعيد اوي على مصطفى كأنه السنة الجاية .. بعد ساعتين حصل اللي حصل، خرجت لقيت مصطفى " متفرتك " .. عارف يعني ايه " متفرتك " ؟ تعرفعرفته من ايه ؟ مش حتصدق .. راسه كانت مفصولة عن جسمه واقسم لك بالله كان بيضحك ..اصل كانت له ضحكة مميزة اوي بتهوّن علينا حاجات كتير .. مات مصطفي ومات معاهالمقدم صلاح اللي بيموت في المشلتت!!
سالت الصورة : عشان كده دموعك سالت على صاحبك وحبيبك واخوك
ردت : لأ .. والله لأ .. انا حزين من حاجة تانية خالص .. حزين من ناسبيشتمونا ومش حاسين ولا مقدرين احنا بنعمل ايه وبنتحمل ايه .. اغضب من النظام زيما انت عايز .. عارضه.. انقد رئيس الدولة .. عادي .. هو مش اله ولا هو ديكتاتور ..بس ده ميخلكش تغلط في اللي شايل سلاحه وواقف ع الحدود عشان انت تسهر في الكافيهبراحتك وتنام وولادك في حضنك وانت مش خايف .. كتير قاعدين يشتموا فينا " ومش إخوانعلى فكرة " .. الإخوان بيشمتوا ، بس انتوا بتشتموا ، الاخوان بينتقموا من رأسالنظام بقتلنا .. طبيعي .. لا عمري حازعل منهم ولا عمري حاعاتب حد فيهم .. انازعلان منكم انتم .. اللي مات مننا ، مات عشانكم .. واللي احنا بنموت عشان همايعيشوا ، مش عاجبهم حالنا ، وبيسخروا من اللي بيحبونا ويتقال عليهم عبيد البيادة.
الإخواني معروف واللي يقوله طبيعي وعادي .. بيكرهونا ؟ طبعا .. لكن انتمبتكرهونا ليه .. عملنا ليكم ايه .. انتم اخترتوا تعيشوا من غير حكم الإخوان ..وقصاد ده احنا اخترنا نموت بدالكم .. الرئيس قال كده .. ودي كانت اصدق كلمة قالهافي خطابه الأخير.
وعادها عليا مرة تانية .. انتوا اخترتوا تعيشوا من غير الإخوان .. واحنااخترنا نموت بدالكم .. يبقى ده جزاءنا .. مفيش حتى الله يرحم اللي ماتوا ويدخلهمالجنة .. شهداء ابرار .
قلت له : تلاقيك قرفان مننا اوي!
رد : اوعى تقول كده .. اقرف من اهلي وناسي .. من حبايبي اللي بعمل كل دهعشانهم .. انا بس عاتب عليكم من محبتي وعشمي .. حاولوا تشوفونا صح .. عشان تحسوابينا اكتر .. انتوا هناك عايشين .. واحنا هنا مستنيين الموت عشان انتوا تفضلواعايشين .. ايه .. منستهلش منكم حتى كلمة تشجيع ، تدّينا قوة وعزيمة اكتر؟!!
كلامه هزني .. سألته : انت مين بالضبط .. ولمين بتأدي التحية؟
قال : التحية للارض اللي شايلاني ومروّية بدم اللي سبقوني .. اما انا مين.. فمش مهم انا مين .. اطلع احمد اطلع محمد اطلع عيسى اطلع مينا .. انا كل دول.
قلت : رغم الدموع اللي نازلة من عنيك .. الا ان " البصة " نفسهافيها ارادة وتحد ..
رد : البكاء عند الراجل تحديدا عمره ماكان ضعف .. بالعكس ، كل ما قلبك يبقىنابض وحي ، كل ما احساسك باللي حواليك يزيد ، وده يخليك زي ما انت شايفني فيالصورة .. الدموع في عيني وايدي مرفوعة فوق جبيني وايدي التانية ع الزناد.
......................................
... نظرت للصورة بتمعن شديد ، وقد سكنت حركتها ، وعادت مجرد صورة لجنديمصري مقاتل ، عيناه دامعة ، لكن نظرته نافذة ، تشعر منها أن مثله لايمكن ابدا انيُهزم .. مثل هذا " الولد " محدش يقدر يغلبه .. محدش يقدر يغلبه .. محدشيقدر يغلبه!