fiogf49gjkf0d
الاعلان الدستوري الاخير لم يعد مصر الى صيف العام 1952 حين انقلب بعض الضباط على الملك الفاروق, بل ردها الى زمن الفراعنة حين كان الحاكم إلها لا يرد له قول, تسجد الناس له ويستعبدها, يحكمها بنزواته ورغباته مهما كانت.
هذا هو المشهد الذي ارتسم في ذهن المراقبين بعد اطلاعهم على ما جاء في قرارات الرئيس محمد مرسي, الذي فاق في تعجله الإطباق على الدولة والغاء مؤسساتها كل الديكتاتوريين في التاريخ.
فجميع رؤساء مصر الذين تمتعوا بتأييد شعبي اكثر بكثير من نسبة تأييد مرسي لم يتخذوا اي اجراءات انقلابية تصل الى حد فرعنة الذات الرئاسية, حتى جمال عبدالناصر الذي كانت تسكنه فكرة الزعامة المطلقة لم يصل به الخيال الى هذا الحد.
قرارات مرسي الكارثية هدم لدولة استطاعت في كل الازمات التي مرت بها مصر ممارسة دورها في ادارة شؤون الشعب, فلا المالية ولا القضاء ولا حتى الخدمات العامة تعطلت حتى في عز أزمة فبراير العام الماضي, بل لم يجرؤ أي رئيس على المس بالقضاء, أو تنصيب نفسه الحاكم المطلق الصلاحيات لا تنازعه فيها أي مؤسسة دستورية.
لم ينقلب مرسي على الدولة فقط, بل انقلب على نفسه و وعوده في حماية المؤسسات والمساواة بين شرائح الشعب كافة, وتحقيق العدالة الاجتماعية التي يبدو أنها نحرت بسكين استعجال جماعة الاخوان المسلمين اقامة حاكمية اخوانية مطلقة أين منها حاكمية ملالي النظام الايراني, حيث مرشد الجماعة هو الحاكم الاساس, بينما رئيس الجمهورية أداة تنفيذ القرارات.
جماعة "الاخوان" التي اتخذت موقفا ملتبسا من الثورة في بدايتها, وسايرتها حين رأت انتصارها محتما, عملت بكل انتهازية على اختطافها من ثوارها واحتكرتها لنفسها. ومنذ البداية كشفت عن نواياها السيئة حين أعلنت عدم خوضها الانتخابات الرئاسية, ثم عادت لترشح ثلاثة من قادتها, و قاتلت لايصال أحدهم الى قصر مصر الجديدة, نعم " تمسكنوا ليتمكنوا", وعندما نالوا مرادهم راحوا يهدمون المؤسسات ليقيموا دولتهم المفصلة على مقاس أحلام قادة الجماعة, فعينوا أنصارهم في المناصب العليا ليمسكوا بمفاصل الدولة.
ها هي صورة مصر الاخوانية تكتمل بالاعلان الدستوري وما أثاره من ردود فعل غاضبة يثير فينا الحزن والاسى, لكننا في الوقت ذاته نقول: حسنا فعل مرسي ومن معه بإماطتهم اللثام عن وجههم الحقيقي, لأنهم قدموا العبرة الواجب على كل المغرر بهم او من تراوده نفسه مهادنتهم ان يعتبر, ليس فقط في الكويت إنما في دول "مجلس التعاون" الخليجي حيث كان أخطبوط الشر الاخواني يمد أذرعه بهدوء, ويعمل على قضم السلطة بشتى الطرق, وما التجربة المريرة مع مجلس فبراير المبطل الا عينة مما كان ينتظرنا في الكويت, حين عملت الاغلبية المخلوعة التي تحركها جماعة"الاخوان" على اقتراح القوانين الانتقامية والاقصائية والمقيدة لحريات الناس لتجعل من نفسها في نهاية المطاف حاكمية مطلقة بعد ان تستحوذ على كل السلطات, حتى القضاء حاولت تطويعه وإرغامه على تحقيق رغباتها بالترهيب الذي مارسته ضده و لم يسبق لبلادنا ان شهدت مثله.
اذا كان الجميع في الكويت أدرك أخيرا خطر ما كانت تعمل تلك الجماعة على تحقيقه, واستغلت الديمقراطية في ذلك إلا أن بلدنا لم يكن يتيما في مخطط "الاخوان", فالامارات هي الاخرى كان يراد لها ان تكون النسخة الدموية والتخريبية في المخطط التدميري لدول المجلس, لكن يقظة أجهزة الأمن هناك والعناية الالهية أحبطت مسعاهم, ونجت الدولة الشقيقة من ذاك الامتحان الصعب.
لا نبالغ في القول ان تلك الجماعة لا تترك وسيلة إلا وتستغلها لتحقيق أهدافها, واذا كان ثمة من يراهن عندنا وفي دول عربية أخرى, على أمر ما في استمالتها سياسيا عليه أن ينظر الى مصر التي أغرقتها قرارات التفرد بالحكم في الفوضى وأعمال العنف, فهي جرس الانذار للمغرر بهم, ليس للكويت او الامارات او الاردن فقط, بل لكل الدول العربية, فكما عزلهم الناس عندنا ولم يبق لهم غير مواقع التواصل الاجتماعي ينفثون فيها سمومهم, لا بد من عزلهم وقطع دابرهم في العالم العربي.
الاحداث التي تسبب بها الاعلان الدستوري الاخير ذكرتني بأسطورة يهودية تقول ان مصر ستكون ضحية فتنة كبرى تبدأ بقتل حاكمها الرابع الحامل اسم محمد, وستسود فيها عقبها الحروب بين أهلها, فهل الدكتور محمد مرسي بما أقدم عليه من إشعال لفتيل الفوضى يريد من المصريين والعرب ان يحققوا الاسطورة اليهودية لتصدق علينا تاليا كل أساطيرهم?
حمى الله مصر من شر أنانية الاخوان المسلمين وديكتاتوريتهم, وحمى دول الخليج وشعوبها من مخططاتهم التدميرية.
أحمد الجارالله