fiogf49gjkf0d
محمد عبد العزيز يكتب :-
إطلالة علي أخطاء الإخوان
ذكرت غير مرة في مقالات عديدة أنني لم أحز شرف الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين ، نظرا لاختلافي مع منهجهم في بعض النقاط ، لكنى لا أستطيع إلا أن أحترم تاريخ هذه الجماعة منذ نشأتها في مدينة الإسماعيلية قبل 84 عاما كجمعية دينية تهدف إلى التمسك بالدين وأخلاقياته ، ورغم أن النشاط السياسي لها لم يبدأ رسمياً إلا عام 1938 " بعد 10 سنوات من النشأة " حينما قدم الإمام البنا حلولا لكافة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت تعانى منها مصر آنذاك إلا أن الصبغة السياسية تبدو عليها منذ النشأة حيث إيمان مؤسسها ألا فصل بين السياسة والدين الذي شرعه الله لتنظيم شؤون الإنسان ليحيا سعيداً بعبادة ربه . التقت الجماعة مع حزب مصر الفتاة في العديد من الرؤى وأبرزت مفهوم القومية الإسلامية بديلاً عن القوميات السائدة وقتذاك ، وأعلن البنا رفضه للأحزاب السياسية ، ولما قوي تنظيم الجماعة وساعدهم على ماهر باشا والشيخ المراغى على التوغل في كل ألوان الطيف السياسي خاف منهم الملك بعد أن انضم إليهم آلاف الناس في أشهر معدودة ، وشهد لهم الجميع بالدعوة المعتدلة والفكر القويم والعمل المنظم ، ما أزعج غير المنظمين وأعداء النجاح . ومن هنا نعتبر أن حسن التنظيم وقوة الحشد كانا أهم أسباب محاربة الإخوان على مر السنون ، لأن الفكر المنظم يمثل إرباكا للخصم الضعيف ، فتلك الصفات وغيرها جعلت الجميع يشن على الجماعة حربا لا هوادة فيها بدءً من الملك فاروق والنقراشى باشا ومروراً بعب الناصر والسادات ووصولا إلى مبارك الذي استمرأ وتفنن فى تنوع سلسة قهر وتعذيب وكبت حريات الإخوان .
أصحاب الدعوة إلى الله لابد وأن يتسموا بالقوة والصلادة والقدرة على امتصاص الصدمات وحسن التنظيم ورجاحة الفكر ، وهى صفات غرسها الإمام البنا في أنفس أصحابه منذ القدم مكنتهم من الانتشار فى كل ربوع العالم الاسلامى ، حيث فكر الإسلام الوسطى السمح القويم الذي يمد يده ليتواصل مع الجميع . لكن ثمة بعض المراجعات الفكرية وتباين الرؤى حدثت بين جنبات الإخوان لأسباب مختلفة تمخضت عن خروج قيادات مهمة من كنفها ، كان يمكن للجماعة احتوائها والاستفادة من فكرها الثاقب ، غير أنها ضحت بها غير مكترثة ، بدءً من جماعة شباب محمد التي أعلنت انشقاقها عن الإخوان المسلمين عام 1939، إلى كمال الهلباوى فى 2012 الذي استقال من الجماعة بعد الدفع بـ «خيرت الشاطر» كمرشح رئاسي لها ، ومرورا بعبد الرحمن السندى وعصام سلطان وغيرهم كثيرون ، وكان اللافت أن من المنشقين قيادات يشار إليها بالبنان ، مثل أبوالفتوح وأبوالعلا ماضى لتأسيسه حزب الوسط، ومحمد حبيب، وإبراهيم الزعفرانى لتشكيكه فى انتخابات المرشد العام، كما تم فصل داعمي أبوالفتوح، و10 من شباب الإخوان خالفوا قرار الجماعة بعدم الانضمام لأى حزب سوى الحرية والعدالة، وقاموا بتأسيس حزب التيار المصري، من بينهم: إسلام لطفى، وعبدالرحمن خليل.
ومنهم من ارتاى ضرورة فصل الجماعة الدعوية عن العمل السياسي لكن معظم القيادات العليا والوسطى تصدت لهذا الفكر ولم تفكر في احتوائه والإنصات إليه ومناقشته وهذا من الأخطاء الشهيرة للجماعة . وبعد ثورة يناير العظيمة كان من البديهي أن تتسيد الجماعة واجهة الأحداث لكونها الأكثر تنظيما ومعظم قياداتها والمنتسبين لها يملكون هدف سامي يسعون لتحقيقه وينحون المصالح الحزبية أو الشخصية جانبا ويعلون كلمتى الدين والوطن عاليا ، وهذا لا يمنع وجود أفراد من الجماعة يسعون لمآرب شخصية من وراء عباءة الدين .
وللأنصاف لا يجب أن ينكر أحد انتصارالاخوان في حرب قوامها 80 عاما تصدت فيها لكل أنواع الهجوم من خارجها اولا حيث كيد الحكام بدءً من الملك فاروق ووصولا إلى مبارك ، ومن داخلها متمثلاً في انشقاقات حدثت بين صفوفها ، وتشويه واستفزاز يطالها من كل القوى السياسية من حولها ، فضلاً عن أخطاء ساذجة من بعض أبنائها و المحسوبين عليها ، ورغم ذلك نجحت في التصدي لكل هذه الجبهات وصمدت في صبر وعزم لا يلين وصلادة يحسدون عليها ، وتمكنت من التغلغل في المجتمع وكسبت ود رجل الشارع ببرامجها التنموية وأعمال البر وغير ذلك .
كان المشهد السياسي في الأسابيع الأول للثورة مهيبا وجديرا بالاحترام ، حيث التئم فيه شتات كل الفصائل الوطنية على كلمة واحدة : ثورة مصر عيش حرية عدالة اجتماعية ، ما أروع منظر شاهدت فيه المخرج العلماني خالد يوسف والناصري مصطفى بكرى والاخوانى محمد البلتاجى تتشابك أيديهم فى صورة معبرة عن تلاحم كل الفكر المتباين لأجل مصلحة هذا الوطن ، لكن سرعان ما تبددت هذه اللوحة الجميلة وأصبح رفقاء التحرير بالأمس فرقاء الفضائيات اليوم ، وغاب الهدف الأسمى الذي جمعهم " مصلحة مصر " حينما حلت المصالح الشخصية والحزبية بديلاً .
وكلما حانت مرحلة جديدة تصدرها الإخوان نظرا للسمات السابق ذكرها إلا وتكون مدعاة لإعلان الحرب عليها من القوى المتنافسة من العلمانيين الذين يكرهون الإخوان أكثر من محبتهم لمصر، وما تلبث أن تنتهي المعركة بانتصار الإخوان . كانت الانتخابات البرلمانية هي المولود الشرعي الأول للثورة العظيمة ونجح الإخوان فيها أن يكونوا الأغلبية في هذا المجلس ورغم بعض التشريعات المهمة التي أنتجها ، إلا أن أخطاء الإخوان توالت فأعقاب الثورة تبنوا فكرة البرلمان قبل الدستور وأثبتت الأيام خطأ هذا البعد وداخل البرلمان أخطئوا في أكثر من موضع ، فلا يمكن نسيان قانون العزل الذي جاء أعقاب ترشح شفيق وسليمان ، ولا يمكن نسيان عدم توقير الكبير الذي تمثل في كم الإهانات التي ألحقها بعضهم بالجنزورى في المجلس ، وكان عليهم إثبات الخلق الاسلامى الرفيع في الدين المعاملة .
تولد لدى بعضهم شعوراً بالزهو الشديد وأنهم لامسوا النجوم بأيديهم جراء النقلة المفصلية التاريخية من جماعة محظورة تعمل في الظلام - مع تسليمنا بشرعية هذا العمل - لكنه لا يتم علنا فى مجمله ، إلى جماعة تتسيد المشهد السياسي . وهذا الزهو سول لأصحابه أن يكرروا أخطائهم من دون الخروج للاعتذار أو حتى للإقرار بهذا الخطأ وهذا قمة الخطأ ، فشوهت هذه الثلة أعمال باقي أفراد الجماعة لان ثقافة تعميم السيئة انتشرت في المجتمع بعد الثورة بشكل غير منصف حتى إن أساء زيد فكل عائلة زيد تصبح مسيئة ، وهى ثقافة ظالمة ولا منطق فيها .
وعقب حل البرلمان لم تتوقف أخطاء الإخوان ولم تستطع القامات الكبيرة كمرسى قبل ترأسه وغزلان وحلمى الجزار والكتاتنى والمرشد والشاطر أن تكبح جماح التصريحات المغلوطة المليئة ببعض النرجسية من قبل أفراد بالإخوان ، وكان أخرها تصريحات للبلتاجى بصفته وكيل الاقتراحات في اللجنة التأسيسية وتصريحات عصام العريان التي يتصيدها بعض الإعلام المأجور لتكون نقطة انطلاق للهجوم على الجماعة المحترمة ،إضافة إلى أحاديث أبو بركة التي تضر أكثر ما تنفع ، وكل ذلك يثبت أن الملف الاعلامى لدى الإخوان ليس على المستوى المأمول رغم أهميته القصوى وهذا من أبرز أخطائهم في المرحلة الأخيرة .
أحبائي الإخوان : ما انتم إلا بشر تصيبون وتخطئون ، وخير الخطاءون التوابون ، والتوبة هي الإقرار بالذنب والتعهد بعدم الرجوع إليه ، وانتم الآن صفوة المجتمع وتتصدرون واجهته ، خرج من رحمكم رجل مخلص تقي ولا نزكيه على الله يقود أكبر دولة في المنطقة – ولا أراكم إلا مستحقين لتلك المكانة لنضالكم عبر السنين وقت أن تخاذل كثيرون وتراجعوا ، لذا عليكم بحماية هذا العرين الذي شيدتموه في عشرات السنين ودفعتم مقابله أبهظ الأثمان " حرياتكم " .
ج
لذا لابد لحكمائكم من جلسة مصارحة يتم فيها تدارك تلك الأخطاء ، ولابد من دعوة توجه للم الشمل والتصالح الوطني مع مختلف القوى السياسة ، في مؤتمر كبير تعلنون فيه أخطاء عامين مضت ، وتمدون يدكم للجميع بمباركة على تقنين وضع الجماعة ، إن لم تأتى منكم هذه الخطوة فإنكم ستقضون على فرصة تاريخية لا تأتى إلا كل مئة عام تقريبا نحو نهضة مصر ، وستكون البداية القضاء على حظوظكم في الانتخابات القادمة ، لان أخطائكم ستحول من دون حصدكم الأغلبية ، ولا أقول أنها ستحول من دون وصول الإخوان إلى البرلمان ، أبدا فوجودكم في الشارع لا يزال يتمتع بحشد قوى بفضل الأسوياء من رجالكم ، لكن نسبة ال60 بالمائة لن تكون للإخوان ، فهناك أبناء العم في حزب النور يزحفون نحو هذه النسبة في هدوء ويستفيدون من حسن تنظيم الإخوان ويتعلمون من أخطاء الإخوان ، أما القوى الأخرى فأخطائها تغلب على مميزاتها ، فمن العلمانيين رجال وطنيين منصفون وهم قلة ، ولا وجود لهم في الشارع بشكل مؤثر ولا يملكون اى قدرة على الحشد لان معظمهم طبقات مخملية في المجتمع لم يتكبدوا شظف العيش ، كل تأثيرهم في الفضائيات التي ترعى أفكارهم وتلملم شتات أبناء النظام السابق من رجال أعمال وقيادات حزبية .
يجب أن يدرك الإخوان أنهم في خطر داهم ، و يقفوا على أخطاء ارتكبوها في العشرين شهراً الماضية ويسعون لتصحيحها قبل فوات الأوان .
معارضو الرئيس ليسوا جميعاً ظالمين ، وداعموه ليسوا بالضرورة اخوان ، فمصر ليست الاخوان ، والاخوان ليسوا ملائكة ولا شياطين ، حفظ الله سورية ومصر والكويت وسائر بلاد المسلمين ، وأعاد الله عيد الأضحى على الجميع بالخير والأمن والرخاء والوحدة والسعادة والأمان .