fiogf49gjkf0d
أحمد عبد المقصود حجاب يكتب :
 نظرية المغامرة تمر مصرنا الحبيبة بظروف سياسية غاية في الصعوبة، رغم أنها تحررت من فساد المفسدين بثورة عظيمة، ولأسباب متعمدة وعلى غير المتوقع انعكست ثورتنا سلبا على الظروف الاجتماعية والاقتصادية وحتى أخلاق المصريين وطريقة الحديث فيما بينهم، وللحقيقة فرغم كل هذه السلبيات إلا أنني لم أفقد الأمل، ولن أفقده، فهذا الشعب العظيم استطاع أن يحيا في ظل ظروف أحلك وأصعب وأشد من هذه، ربما لأن الشعب لم يسمح لنفسه أن ينزلق إلى مستنقع السياسة، يجوز أنه لا يفهم في السياسة، لكنه يفهم في الوطنية، وقد استغل ويستغل البعض هذه الصفة فيه، فيؤثر عليه بحجة أن مصر تضيع في ظل فوضى الثورة، ويوهمه بأن نظام فاسد يوفر الأمن بالظلم هو أفضل من نظام جديد لم نجربه. هذا الشعب الذي حافظ على هويته على مدى آلاف السنين، رغم الحروب والاستعمار والعودة عدة مرات إلى الصفر، حافظ على معدنه الحقيقي، وتدعوه الضرورة كل فترة لأن يظهر هذا المعدن في الحروب والثورات وأيام الاحتلال والفقر والمرض. ما يعطيني هذا الأمل في شعبنا أنه مورست عليه كافة وسائل الأمية والجهل والفقر والمرض والامتهان والظلم، لكنه ورغم ذلك أنجب شبابا أبطالا أحرارا خرجوا عندما فاض بهم الكيل، ليواجهوا بصدورهم العارية قناصة النظام المجرم، جيل شكك في شجاعته وإقدامه وجرأته الكثيرون، قالوا أنه ترعرع أمام شاشات الكمبيوتر وعلى شبكات الإنترنت، أنه ألف الرفاهية والحداثة والهواتف الذكية، ولن يقوى على الوقوف أمام الظالم ليقول كلمة حق، لكن هذا الجيل أيقظ مصر كلها بثورة رائعة وضرب مثالا في التضحية والإقدام، هذا الجيل تحول من مجرد شباب يكتب رأيه على صفحات فيسبوك وتويتر إلى مناضلين حقيقيين لا تخيفهم مدرعات ولا تزعزع عزيمتهم رصاصات خارقة أو قنابل حارقة، نزلوا إلى الميادين وعندما بدأت المعركة لم يفروا، بل قدموا أرواحهم في سبيل حرية مصر وعزتها وكرامتها. لكن، هذا الجيل ومن ورائه ثلاثة أجيال متتالية من الذين عرفوا الثورة أو سمعوا بها هم الآن في حيرة، فربما تضيع فرصتهم في مستقبل أفضل، يدعوهم البعض لثورة جديدة بعدما حصرت النتيجة الاختيار بين أحمد شفيق ممثل الحزب الوطني والنظام البائد، ومحمد مرسي ممثل الإخوان المسلمين، وفي وجهة نظرهم أن انتخاب الإخوان هو خلق حزب وطني جديد، رغم أن الإخوان كانوا بجوارهم في الثورة ووقفوا ضد بلطجية الحزب الوطني في موقعة الجمل، إلا أن بعض القوى التي تختلف معهم نجحوا في الترويج لأن الإخوان ركبوا الثورة واستغلوها للوصول إلى السلطة، وكأن الإخوان المسلمين ظهروا في مصر لأول في الثورة، ولم يكونوا طوال السنوات الماضية ضد النظام البائد، ولم يدخلوا المعتقلات والسجون، ولم تمارس عليهم الأنظمة المتتابعة سياسات الحرمان والإقصاء، ألا يعد وقوفهم في صفوف المعارضة ضد الفساد والظلم طوال ثمانين عاما ثورة متقدة ومستمرة؟ في حين أن بعض القوى التي ادعت الثورية هدأت سريعا بعد الثورة وغيرت تحالفاتها أكثر من مرة أملا في تحقيق أقرب المكاسب، كل القوى شاركت في الثورة أملا في المشاركة في السلطة بهدف إحقاق الحق ونشر العدل؟ لماذا إذن نسيء الظن بفريق ونصفه بالطامع في الوصول للسلطة؟ إن بعض الحالمين المغامرين يروجون الآن إلى أن انتخاب أحد فلول النظام البائد وواحد من أهم رموز الفساد هو السبيل الوحيد لتفجير ثورة حقيقية تطهر مصر من الاستبداد العسكري والديني، رافضين ما وافقوا عليه من شرعية انتخابات شاركوا فيها أملا في الوصول إلى كرسي الرئاسة، مدعين أنهم كانوا الأنسب لمصر وشعبها الفقير المعدم، ومشككين في قدرة الآخر على نشر العدل وإعادة الحقوق لأصحابها، يرون أن نجاح شفيق هو الأضمن لتحقيق أهداف الثورة، وأنا لن أقول "نريد الاستقرار" فهذه الكلمة أكرهها وأعرف أن الثوار يكرهونها أيضا منذ رمى إليها مبارك حين قال "أنا أو الفوضى" ما معناه أن وجوده يعني الاستقرار، لكن ما أحب أن الفت نظر أصحاب نظرية المغامرة "نجاح شفيق لإعادة الثورة" أنهم يقامرون بمصر ويغامرون بشعبها الجائع البائس الذي زاد فقره وإذلاله عقابا على الثورة، أحب أن أقول لهؤلاء المغامرين أن مبارك الذي لم يكتسب أبدا شرعية في انتخابات نزيهة ولم ترض عنه أغلبية الشعب يوما ما، تمسك بشدة بالشرعية المزورة وحارب شعبه وقتل منه خيرة الشباب تمسكا بالكرسي على الأقل لحين انتهاء فترة رئاسته، وحتى عندما تخلى عن منصبه فإنه كلف من هم تحت إمرته بإدارة شؤون البلاد، كان بلا شرعية ورغم ذلك سمح لنفسه باختيار من يدير شؤون البلاد من بعده، ولم نجد وقتها إلا الترحيب بالمجلس العسكري من كافة القوى الثورية والوطنية، الطامعة في السلطة أو غيرها، رحبوا بالعسكري بمن فيهم الإخوان، ولما رأت القوى الوطنية والتيارات الأخرى والأحزاب أن المجلس العسكري يفكر جديا في نقل السلطة بعمل انتخابات برلمانية اعترضوا جميعا وقالوا ـ لسنا جاهزين والإخوان هم المستفيد الوحيد من إجراء الانتخابات الآن ـ وبالعامية المصرية "لحسوا" ترحيبهم بالمجلس العسكري، وتحدثوا عن صفقة بينه وبين الإخوان، وبدأت المشاكل وطالت الفترة الانتقالية، لينتهي بنا الحال جميعا بعد عام ونصف إلى ذهول ودهشة من هول مفاجأة وصول احمد شفيق للإعادة في انتخابات الرئاسة، انتهت إذن مرحلة الصفقة لتبدأ مرحلة جديدة بعد نجاح الإخوان في الوصول إلى الإعادة بمرشحهم محمد مرسي، وهي مرحلة "تكويش" الإخوان على كل السلطات، واستبدادهم باسم الدين، يطبقون المثل القائل "عدوك ابن كارك"، عدوك الآن هو من كان معك في الثورة وخاض السباق الشريف إلى الرئاسة، يتركون العدو الحقيقي ويشككون في منافس ثار معهم على الظلم والفساد، لا لشيء سوى لخوفهم على الخروج "من المولد بلا حمص" بعد الثورة، يريد الخاسرون أن يقلبوا الطاولة على الجميع، مستغلين هبوط أسهم الإخوان بسبب تراجعهم عن بعض ما صرحوا به، وموقفهم من المشاركة في الاحتجاجات والمواجهات التي وقعت بين الثوار من جهة والداخلية والجيش من جهة أخرى على فترات متباعدة بعد سقوط النظام، ولم ينتبه أحد إلى أن الجميع ـ وأقول الجميع ـ لأنهم بالفعل جميعا، قبلوا بالانتخابات البرلمانية وطالبوا بأن يكون للقوائم نصيب الثلثين في المجلس لضمان تكافؤ الفرص بين الأحزاب الجديدة والقديمة، فكان لهم ما طلبوا، لنفاجئ بأحد الفائزين في الانتخابات البرلمانية والخاسرين في الرئاسية يقدم طعنا في شرعية مجلس الشعب، مستندا إلى أن النظام الذي جرت به الانتخابات البرلمانية شابه عوار دستوري بسبب عدم تحقيق تكافؤ الفرص بين نظام الفردي ونظام القائمة التي وافق عليه الجميع. يرى الخاسرون أن إعادة الثورة إلى الميدان لن يتم بنجاح محمد مرسي، فنراهم يشنون ضده حملات تشويه تدل على غباء وجهل سياسي، وقصر نظر، ويرون أنه من الأنسب أن يفوز أحمد شفيق لتتفجر الثورة، ألم يكن من الأولى أن يثوروا بمجرد أن تم قبول ترشحه؟ لا أن يسيروا إلى منتصف الطريق وعندما تأتي الرياح بما لا تشتهيه سفنهم يعلنون الثورة، للأسف شفيق لو فاز ـ لا قدر الله ـ سوف يستخدم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من كافة أنواع القوة للحفاظ على الشرعية التي أتت بها الصناديق، حتى لو كانت الانتخابات مزورة، فقد قدموا طعونا ضد التلاعب والتزوير ولم تقبل، وعندهم شك أن هناك تواطؤ من اللجنة العليا للانتخابات مع شفيق، أليس ذلك مدعاة لأن يدعموا عدو شفيق في السباق؟ أم أن الهجوم على مرسي سيصب في مصلحة شفيق فيأتي للحكم، وساعتها سيفعل كما فعل مثله الأعلى مبارك سيعتمد على فلول الحزب الوطني في السيطرة على الغلابة الذين لا يفهمون كثيرا في السياسة بألا يسمعوا لأعداء الوطن، سيستخدم الإعلام الرسمي لإظهار خروج البعض على الشرعية التي جاءت به وسيصفهم بالأقلية، وسيقنع الناس بنزاهة الانتخابات التي أشاد بها الغرب، أما الشعب فسيظل مسكينا لا يجد قوت يومه، حيث سيكون على شفيق القضاء على مراكز القوى والتصدي للخارجين على الشرعية، وسيقف المغفلون من البسطاء إلى جانبه، وربما ينزلون بأنفسهم لمواجهة من سيسميهم شفيق أعداء الوطن. الداعون إلى الخروج في ثورة جديدة بنجاح شفيق الذي استفاد ويستفيد من الهجوم على الإخوان يغامرون بالثورة وبشبابها، الشهداء والمصابون وحتى النشطاء السياسيون سيصبحون بين ليلة وضحاها من ألد أعداء الوطن لا قدر الله إن فاز شفيق وواجه الثورة والثوار بالحديد والنار ونجح في القضاء عليهم، وسيكون أمامنا سنوات أخرى للم الشمل من جديد وكشف فساد جديد ربما لن نكتشفه أصلا، ناهيك عن الفقر والجوع الذي سيحل بالمواطنين، الذين كفر أغلبيتهم بالثورة في ظل فوضى أمنية وأزمات مفتعلة. أما الخيار الآخر الذي لا يريده الخاسرون فهو مرشح الإخوان المسلمين، فمن وجهة نظرهم لا يعتبر نجاحه تغييرا، بل هو إعادة إنتاج حزب وطني جديد، ولا أعرف أين ضميرهم الوطني وهم يرددون هذا الكلام؟ عن نفسي ولست عضوا في جماعة الإخوان المسلمين أرى وأعتبر أن نجاح مرسي تغيير ولو جزئيا، تغيير لأننا لن نرى الحزب الوطني ولا فلوله ولا فاسديه مرة أخرى، تغيير حتى ولو اعتبرنا فترة حكمه فترة انتقالية، نريد لمصر أن تسير ولو قليلا للأمام، نريد أن نخرج من كبوتنا لأن دولا شقيقة تراهن على فشلنا واختلافنا كما كان مبارك يقول ويراهن، نجاح مرسي هو تغيير لا يراه الخاسرون تغييرا لأنهم ـ وهذا حقهم ـ يرون أنهم أفضل منه، فكل منا يرى نفسه الأفضل والأنسب، نجاح مرسي تغيير لن يكون نهاية المطاف، لأن شباب مصر يحسن الاختيار لو أتيحت له الفرصة للتعبير عن رأيه بحرية.