fiogf49gjkf0d
مقال للدكتور أحمد غانم المدير التنفيذي لمبادرة لمصر
______________________________________


د. أحمد غانم يكتب: أحمد بن حنبل وعادل إمام!

كانت السياط تنهال على جسده لينطق بكلمة واحدة..لكن كل أدوات التعذيب وكل سياط الجلادين فشلت في إخراج هذه الكلمة من فمه!

كان الضحية هو الإمام أحمد بن حنبل وكان الجلاد هو الخليفة المأمون الذي كان يعتبر نفسه حامي حمى الدين الإسلامي في الأرض وكانت التهمة التى يعذب من أجلها الإمام أحمد هى تهمة "إهانة وتشويه الإسلام" وكان الحل من وجهة نظر الخليفة المأمون هو أن يمتنع الإمام أحمد بن حنبل عن تشويه الدين بأن ينطق بكلمة واحدة عن القرآن معترفا أن القرآن هو "كلام الناس" وليس "كلام الله"!

لا تتعجب..فقد وصل الأمر أنه في عهد الخليفة المأمون قد انتشر فكر بعض الفلاسفة الذين أقنعوا الخليفة (حامي الإسلام) أن الإعتقاد بأن القران هو كلام الله هو "إهانة للإسلام" و"إهانة للدين"! ولكن الله قيض أئمة من أمثال أحمد بن حنبل الذين صبروا على التعذيب بتهمة "إهانة الإسلام" حتى انتصرت إرادته على إرادة جلاده وزالت الأفكار الغريبة وبقيت كلمة الله في الأرض.

يمكننا أن نتعلم الكثير من هذه القصة ولكن الدرس الأهم في نظرى هو أن رؤية الدولة للدين وتفسيرها للإسلام قد تتغير من عهد إلى عهد ومن زمان إلى زمان وأن الكارثة الكبرى تحدث عندما تنصب الدولة نفسها "حاميا" للدين و"المفسر الوحيد" للفهم الحقيقي للدين لأنها بذلك تتحول إلى دولة بوليسية تطارد الأفكار وتقتل وتعذب كل من خالفها في الفكر تماما مثل ما حدث مع الإمام العظيم أحمد بن حنبل.

التاريخ أثبت أن الله حفظ الدين من خلال الأفراد والعلماء لا من خلال الدول أو الحكومات وقصة الإمام أحمد بن حنبل هي شاهد لا يكذب أن العلماء والأفراد وأصحاب الفكر الإسلامي هم الحماة الحقيقيون للدين حتى عندما تنحرف الدول والحكومات وتتبنى تفسيرا "شاذا" للدين أو للإسلام أو للقرأن مثلما حدث مع الخليفة المأمون.

سواء في التاريخ الإسلامي أو التاريخ المسيحي لم نقرأ عن محاكم تفتيش بشعة إلا عندما نصبت الدولة نفسها حاميا للدين وحاملا للتفسير الوحيد للدين. ولكننا قرأنا في التاريخ الإسلامي عن دولة خلافة إسلامية متفتحة قوية يعيش فيها حتى عباد النار والصابئة في العراق دون خوف ودون إجبار على تغيير ديانتهم وقرأنا عن دولة الخلافة الإسلامية المتفتحة القوية التى أتاحت حرية الاعتقاد حتى لأفكار شاذة الفكر مثل جماعات المعتزلة والأشاعرة والقدرية والمرجئة وغيرهم ممن انحرفوا بفكرهم الديني لدرجة أن بعض الأئمة حكم بصريح كفرهم إلا أن الدولة الإسلامية القوية في وقتها أمنت لهم حرية العبادة والعقيدة بالطريقة التى يريدونها حتى وإن أفتى علماء ثقات بكفرهم ولم تقم لهم المحاكم كما فعلت الكنيسة مع مخالفيها أو كما فعل الخليفة المأمون مع الإمام أحمد بن حنبل.

الإسلام أقوى من أن تهزه سخرية ممثل أو ريشة مهتزة لفنان كاريكاتيرمغمور..الإسلام الذي تحطمت على أكتاف أبناءه موجات الصليبين والذي حمى العالم أجمع من همجية التتار لا يمكن بأي حال أن نهينه بأن نظهر أننا نحميه من مقالة كاتب فاشل أو إيحاءة من ممثل مغمور..الإسلام أعلى وأقوى وأرقى من ذلك وهو الدين الذي يوفر حتى لأشد أعداءه حرية انتقاده لأن دين الله جبل شامخ لا تهزه طرقات أقدام الأقزام.

ألم ترى أن القرآن الكريم ذكر كل حجج الكفار ضد الرسول وضد وجود الله عزوجل في القرآن (ويقولون شاعر..ويقولون كاهن..وقالت اليهود يد الله مغلولة..وقال فرعون....) ولم يخفيها وجعلنا نحن المؤمنين نقرأ اتهامات أعداء الدين في القرآن ليل نهار ونتعبد بقرائتها لأثبات أن دين الله يقبل التحدى ولا يخشاه وأنه لا يحتاج لخليفة "مجنون" أو دولة تحتكر تفسير الإسلام لتحميه وتحكم بالسجن على من يهينه.

إن الحكم على الممثل المصري عادل إمام بالسجن لأنه "أهان الإسلام" هو في حد ذاته "إهانة للإسلام" لأن الإسلام أعلى من أن يتمكن فرد ضعيف من إهانته و هو أمر لا يليق بنا نحن المسلمين أيضا لأننا نفخر بأن ديننا هو دين الحرية والإبداع وهو الدين الذي عاش في ظلاله حتى أشد أعداء القرآن بأمان. والممثل عادل إمام هو مسلم لا يملك إلا الله وحده الإطلاع على قلبه ومعرفة مدى إيمانه. والأولى بنا أن نناقش أفكاره بالأفكار لا بالسجن والترويع لأن ذلك ليس من الإسلام في شئ ولم يذكر التاريخ الإسلامي مثلا أن الدولة الإسلامية في عز مجدها وتفوقها قامت بسجن ملحد أو أي مفكر حتى وإن هاجم الإسلام وإنما قام رجال العلم من أمثال الشافعى بمناظرة هؤلاء الفكرة بالفكرة والرأي بالرأي.

فلتكن ثورتنا المصرية عودة إلى روح التعايش الذى نستمد روحه من روعة التاريخ الإسلامي وأن نحارب كل من يهاجم الإسلام من خلال المناظرات في قاعات المحاضرات والمكتبات لا من خلال قاعات المحاكمة فهذه هى حيلة الضعيف والفكر الإسلامي الصحيح أبدا ما كان ضعيفا.