fiogf49gjkf0d
كان عبد الرحمن بن أبي عمار الذي يلقبونه بالقس لعبادته ونسكه صديقا لسهيل بن عبد الرحمن الذي كانت جاريته ( سلامة ) المغنية الجميلة الفاتنة الشاعرة القارئة المتحدثة التي لم يجتمع في امرأة مثلها حسن وجهها وحسن غنائها , وحسن شعرها, فمر بداره يوما وسلامة تغني, فوقف يسمع , فدخل عليهم ( الأحوص ) فقال ويحكم! لكأن الملائكة – والله – تتلو مزاميرها في حلق سلامة , فهذا عبد الرحمن القس قد انشغل بما سمع منها وهو واقف خارج الدار, فتسارع إليه سهيل يدعوه يدخل ليسمع فأبى, قال ادخل أقعدك في مكان تسمع منه سلامة ولا تراك, قال أما هذا فنعم, فدخل وجلس يسمع, فأمر سهيل سلامة فخرجت إليه خروج القمر من سحابة كانت تغطيه, فما إن رآها حتى علقت بقلبه, وسبح طويلا طويلا, وما رأته هي حتى رأت الجنة والملائكة, وماتت عن الدنيا وانتقلت إليه وحده, وأحب القس سلامة, وعشقته, وقالت في ذلك كنت كالمخبولة من حب عبد الرحمن القس, حبا أراه فالقا كبدي, آتيا على حشاشتي . قالوا أحب القس سلامة --- وهو التقي الورع الطاهر كأنما لم يدر طعم الهوى --- والحب إلا الفاسق الفاجر يا قوم لي كبد تهفو كأكبــــــ--- ــــــادكم وفؤاد مثلكم شاعر وبيعت سلامة للخليفة ( يزيد بن عبد الملك ) بعشرين ألف دينار, وكان يقول ما يقر عيني ما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة, فلما عرضت عليه أمرها أن تغني له, فلم تر إلا عبد الرحمن القس يوم كانت تغنيه بشعره فيها فتناولت العود وجسته بقلبها قبل يدها, وضربت عليه كأنها تضرب لعبد الرحمن وأحس الخليفة في غنائها بشيء, فسألها يزيد, شعر من هذا ؟ فقالت إنه شعر عبد الرحمن القس, وجعلت تحكي قصتها مع القس والخليفة يسمع حتى قالت, ما كان صاحبي في الرجال خلا ولا خمرا, وما احسب الشيطان يعرف هذا الرجل, وهل كان للشيطان عمل مع رجل يقول : إني أعرف فكرتي وهي دائما فكرتي لا تتغير, ذاك رجل أساسه كما يقول ( برهان ربه ), ولقد تصنعت له مرة يا أمير المؤمنين وتشكلت وتحليت وتبرجت, وغنيته غناء جوارحي كلها, وكنت له كأني حرير ناعم يترجرج وينشر أمامه ويطوى, وجلست كالنائمة في فراشها وقد خلا المجلس, قال يزيد ويحك ويحك وبعد هذا ؟ قالت بعد هذا يا أمير المؤمنين وهو يهواني الهوى البرح, ويعشقتي العشق المضني ولو لم ير في جمالي وفتنتي واستسلامي إلا أن الشيطان قد جاء يرشوه بالذهب الذي يتعامل به, وجهدت أن يرى طبيعتي فلم يرني إلا بغير طبيعة, وكلما حاولت أن أنزل به عن سكينته ووقاره , رأيت في عينيه مالا يتغير كنور النجم, وكانت بعض نظراته – والله - كأنها عصا المؤدب. ولم أيأس يا أمير المؤمنين, فإن أول الحب يطلب آخره أبدا إلى أن يموت, فدعوته يوما أن يجيء مني وأرى الليل أهله لأغنيه ( ألا قل لهذا القلب ) وكنت لحنته ولم يسمعه بعد, ولبثت نهاري أستروح في الهواء رائحة هذا الرجل مما أتلهف عليه, وبلغت ما أقدر عليه من زينة نفسي , ثم جاء مع الليل وإن المجلس لخال ما فيه غيري وغيره, بما أكابد منه وما يعاني مني فغنيته أحر غناء وأشجاه, وما كان يسوءني إلا أنه يمارس في الزهد ممارسة, وكأنه يراني خيال امرأة في مرآة, لا امرأة مائلة له بهواها وشبابها وحسنها وفتنتها, فأجمعت أن أحطم المرآة ليراني أنا نفسي لا خيالي, واستنجدت كل فتنتي لتجعله يفر إلي كلما حاول أن يفر مني, فملت إليه وقلت : [ أنا – والله – أحبك ] فقال : [ وأنا – والله – الذي لا إله إلا هو ] قلت : [ وأشتهي أن أعانقك وأقبلك ] قال [ وأنا – والله ] قلت : [ فما يمنعك ؟
- فوالله – إن الموضع لخال ] قال : [ يمنعني قول الله عز وجل ( الأخلاء بعضهم يومئذ لبعض عدو إلا المتقين ) فأكره أن تحول مودتي لك عداوة يوم القيامة] إني أرى برهان ربي, وهو يمنعني أن أكون من سيئاتك وأن تكوني من سيآتي, ولو أحببت الأنثى لوجدتك في كل أنثى, ولكني أحب ما فيك أنت بخاصتك. ثم قام وهو يبكي, فما عاد بعد ذلك يا أمير المؤمنين, ما عاد بعد ذلك , وترك لي ندامتي, وليتني لم أفعل, ليتني لم أفعل . لقد أوردنا هاتين القصتين ليعلم كل شاب وفتاة وكل رجل وامرأة, أن الدين لا يصادر مشاعر الناس ولا يحارب فطرتهم, إنما يسمو بهم إلى قمم الطهر والعفة والجمال, وإن ما نسمعه اليوم من حكايات بين كثير من الشباب والفتيات – والله – ليس بحب, فليبحثوا له عن اسم آخر, أي حب هذ1ا الذي يورث الهم والنكد, ويأخذ المحب من أحط ألوان الفكر إلى أحط أسباب النفس ويمرغ أنفه في التراب ؟ إن حقيقة الحب أن أسلم من أحب أعلى مراتب الفضيلة والكرامة, وأن أسكنه أعلى درجات الشرف والرفعة, لعن الله من أفسد امرأة على زوجها, وفي الحديث (لأن يطعن فى رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له).. رواه الطبراني, وإن من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ( رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال, فقال إني أخاف الله رب العالمين ), فهل لعاقل أن يبيع ظل الله يوم القيامة ببضع دقائق في الدنيا تجلب الحسرة والندم ؟ أرسلت امرأة يوما لرجل تقول ( إني أحبك ) فأرسل لها يقول: ( عفوا, أنا لايشغلني العشق, يشغلني يا سيدتي العتق ). وما أحوجنا اليوم لشباب يرفعون راية ( أرى برهان ربي ).
احمد المنسي
Almansi9@hotmail.com