fiogf49gjkf0d

هل العسكر هم الوجه الآخر لمبارك ؟

بقلم محمد عبد العزيز

 " ما أشبه الليلة بالبارحة " ، جملة رددتها أثناء متابعتي للأحداث الأخيرة في بلادي والتي أدمت قلوبنا وشغلت عقولنا وجعلت الحيرة تسيطر علي خلجاتنا . فالشقيقتين الصغيرتين تونس وليبيا يكاد يكونا قد حصدا الاستقرار على الأقل علي الصعيد السياسي تمهيدا ً للوصول الى مكتسبات ثورة شعبيهما، أفنحن أقل من الوصول لهذا الاستقرار ؟ لا أظن فمصر ستظل دوما الكبيرة. كبيرة بعقول مفكريها وبسواعد أبنائها المتواجدون في كل ربوع الدنيا ، لكن ماذا يحدث في الداخل ؟ سؤال حير الجميع وفتق الأذهان للعديد من السيناريوهات .

 ورغم الشماتة التي من المؤكد ستبديها   لنا جماعة   " إحنا آسفين ياريس " إلا اننى اعتقد أنها ستتحول قريبا إلى " إحنا إسفين ياريس " إسفين دق بين الجميع لتتحول مصر إلى ساحة من الجدل البيزنطي لا طائل من وراءه .

أري أن المجلس العسكري الحاكم انتظر إلي أن قويت شوكته ثم بدا في تغيير لهجته الخطابية شيئاً فشيئا حتي وصل إلي استخدام القوة المفرطة في التعامل مع المتظاهرين وهم الذين يمارسون حقوق كفلها لهم الإعلان الدستوري الذي تم الاستفتاء عليه من قبل ما يزيد عن 17مليون مصري.

وكان حصاد تلك القوة من قبل الجيش والشرطة خلال يومي السبت والأحد 19 ،20 نوفمبر أن قضي ما يدنو من أربعين شابا وأصيب ما يقارب الفى متظاهر في ساعات أعادت إلي الأذهان الأسلوب القمعي الذي اتبعه النظام البائد مع الثوار نهاية يناير من 2011 الحالي .

وما أكثر حزن المصريين أعقاب تلك المشاهد التي شوهت صورة الجيش وحولته من خندق الموالاة للشعب إلي المواجهة معه  ، بعد أن ظللنا نردد ومعنا كل العالم من حولنا أن الجيش المصري حبيب الشعب .

لكني أؤكد أن ذلك لا يزال علي نحو غير صحيح لان المجلس العسكري الحاكم  منقسم إلى فريقين ، أحدهما يميل إلي الحزم في اتخاذ القرارات والحسم في تنفيذها ، والثاني " وهو الأقوى "   يحذو حذو النظام السابق في المماطلة والتلكؤ في اتخاذ القرارات وتغليب  الحلول الأمنية القمعية  بدلا عن الأسلوب الراقي في الحوار الذي يعتمد علي الديمقراطية .

الديمقراطية ما أجمل هذه الكلمة التي قامت الثورة من أجلها فلطالما تنادي المتظاهرون بشعارات " عدالة حرية ديمقراطية " .

والدليل علي سطوة الفريق الأقوى في المجلس  وانتهاج أسلوب التلكؤ  هو القبول المتأخر لاستقالة حكومة شرف بعد ما تقدم بها مرارا ،  وقبل ذلك بساعة اصدر قانون العزل الذى طالبت به معظم القوى السياسية طوال الأشهر الأربعة الماضية ، وفي ساعة متأخرة من مساء أمس الأحد جاء بيان العسكرى  خالياً من الحزم بتحديد موعد دقيق لإجراء الانتخابات الرئاسية ومن ثم تسلم السلطة للمدنيين  ، ما أدى  إلى استمرار الآلاف معتصمين في ميدان التحرير مطالبين بحكومة إنقاذ وطني ورحيل المشير  وإقالة حكومة شرف  وتسليم قيادة دفة الأمور في البلاد لحكم مدني من دون أي مماطلة خاصة بعد فشل المجلس حتي الآن بعد مرور تسعة أشهر من تسلمهم السلطة  في تحقيق الثالوث المهم الذي تطمع إليه كل الشعوب ( الأمن والحرية والعدالة) .

فما زال الأمن غائبا عن الساحة والحرية منقوصة والعدالة الاجتماعية لم تري النور بعد  رغم خروج بعض القرارات التي تصب في هذا الاتجاه من حكومة شرف التي أراها قد  ظلمت من الجميع وظلمت نفسها طويلا رغم كفاءة وأمانة رئيسها  ، بيد أن المجلس العسكري بسط سيطرته عليها وكبل يدها فلم تستطيع صنع أي قرار ترغب فيه  لصالح الشعب.

إن فشل المجلس العسكري والحكومة فى  ضبط   الأمن و توفير الحرية والعدالة وعدم القدرة على تحقيق مطالب رجل الشارع البسيط من رقابة على الأسعار وتوفير العيش الكريم  أدي إلي شعور المواطن أن المجلس العسكري والنظام السابق وجهين  لعملة واحدة  فكان الخروج الأخير إلى الميادين من جديد ، والعسكر مطالبون فورا ومن دون أي تباطؤ بتصحيح تلك المفاهيم قبل فوات الأوان وتفاقم الصورة أكثر من هذا ، عليهم المبادرة بتقديم الأدلة الدامغة العملية على أنهم حماة الثورة وأنهم بالفعل حريصين على وحدة وكيان هذا البلد ، لكي يتبقى لهم في قلوب المصريين بقية من حب جراء حمايتهم للثورة في مهدها ، عليهم أن يخرجوا ، عليهم أن يقتلوا صمتهم بخطوات عملية لتصحيح المسار المعوج .

وحتى لا نظل نلعن الظلام من دون أن نوقد شمعة علينا جميعا كإعلاميين وكتاب بث الأمل في النفوس للدلالة على خيرية مصر ، وللدلالة على أن الصورة ليست سوداوية كما يحلو للبعض أن ينقلها  . لدى نموذجين فريدين الأول للشيخ محمد حسان أحد أبرز الدعاة السلفيين وأكثرهم قبولا وشعبية في الشارع العربي والمصري في حديثه لقناة CBC المصرية حينما ضرب أروع الأمثلة في العدالة والرؤية الإسلامية الراقية الثاقبة  فطالب الناخبين بالتصويت لصالح المرشح المسيحي إذا كان أكفأ من منافسه المسلم ، مؤكدا أن الصوت في الانتخابات أمانة ويجب أن يعطى للأكفأ كل حسب مكانه ، حتى وإن كان هذا المرشح غير منتم للتيار المسلم فيجب أن يقدم الأكفأ.

وأرى أنها رسالة للعالم اجمع أن الإسلام دين العدل والسماحة وقبول الآخر وان الوحدة الوطنية في مصر متجذرة ولن يستطيع احد تفكيك أواصرها .

النموذج الثاني جاء على لسان المتحدث الرسمي باسم الإخوان المسلمين  محمود غزلان فضرب مثالا رائعا جديدا لوحدة الصف ومرونة الفكر، عندما أشار إلى إن الجماعة التي يمثل حزب الحرية والعدالة ذراعها السياسي لن تخرج إلى ميدان التحرير في جمعة 18 نوفمبر الماضي  إذا أقرت الحكومة التعديلات المطلوبة على وثيقة السلمي وان لم تسعى للتعديلات سنخرج خروجا سلميا بحسب حق أقرته التعديلات الدستورية الأخيرة ولن يصاحب ذلك اى خروج عن القانون لان مصر بالأخير وطننا الذي يجب أن نحافظ على مؤسساته وأفراده .

وهو حديث واع ينم عن الفكر العالي لأصحابه ويبث الطمأنينة في قلوب الملايين التي بدأت ترتعش من سيطرة الإخوان على الموقف في الشارع وبالتالي حسم نتائج الانتخابات البرلمانية المقبلة بنسبة كبيرة في مجلس الشعب . وان كنت أرى انه خوف غير مبرر فلماذا لا نمنح الإسلاميين فرصة ليحكموا البلد الم نعطى هذه الفرصة للعسكر طوال أكثر من نصف قرن ماذا جنينا ؟

الم نتعب جميعا في المناداة بتحويل مصر إلى دولة ديمقراطية . إذا ماذا يضيرنا من قبول نتائجها المتمثلة في حصاد الانتخابات التي بدأت تلوح في الأفق بقرب الصوت الاسلامى من مصر بعد ان وصل الى تونس وليبيا .

وحسنا يفعل المجلس العسكري والحكومة الآن في الإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها من دون اى تأجيل حتى  تتسارع وتيرة الوصول الى الحكم المدني والاستقرار الأمنى وحتى لا يشمت الفلول ويتبارون في ترديد عباراتهم الشهيرة " الله يرحم زمن مبارك " و " هي الثورة عملتلنا إيه " ثم " إحنا آسفين ياريس " .

وفى الأخير ما أحوجنا في هذا الساعات العصيبة التي يعيشها الوطن إلى تكاتف كل القوى السياسية وتحكيم لغة العقل وتحرى الهدوء لانتشال بلادنا من شرور أعدائها المتربصين ومن سيئات أبنائها الغاضبين ولك الله يا مصر سلمتى .