fiogf49gjkf0d
قيل إن الرسول عليه الصلاة والسلام في إحدى الغزوات قال: ( ارحموا عزيز قوم ذل وغني افتقر وعالم ضاع بين الجهال ) بحثت في أصل هذا الحديث وعن صحته فوجدت مما جا ء فيه أنه قد رواه العسكري وابن حبان بسند فيه منكر عن أنس، ورواه الخطيب بسند فيه مجهول عن أنس مرفوعاً مثله، لكن بلفظ ( وفقيها يتلاعب به الصبيان الجهال ) . ورواه القضاعي عن ابن مسعود رفعه بلفظ: ( وعالماً يلعب به الحمقى والجهال ). ورواه ابن حبان في تاريخه بسند فيه كذاب عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعاً، بلفظ ( وعالم يتلاعب به الصبيان )، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال: إنما يعرف من كلام الفضيل بن عياض، وساقه من جهة الحاكم عن الفضيل بن عياض أنه قال : ( ارحموا عزيز قوم ذل، وغنيا افتقر، وعالما بين جهال ). وقال في الدرر: وأخرجه ابن حبان في تاريخه من حديث ابن عباس والديلمي في حديث أبي هريرة بأسانيد واهية، والسلماني في الضعفاء عن أنس وضعفه. اهـ (كشف الخفاء). و قال ابن حبان في المجروحين: فيه وهب البختري كان يضع الحديث. وقال ابن معين: كذاب. انتهى . مما سبق يتبين لنا أن الحديث على أغلب قول أهل العلم موضوع , أو فيه ضعف , أو مكذوب , أو جاء بأسانيد واهية . ولكن إذا سلمنا بأن العقل يقبل هذا الكلام , وتستحسنه القريحة , إذ أن الرحمة تُطلب لكل شيء وهي قيمة إنسانية عالية , تستحقها الخلائق كلها , لا سيما عزيز القوم الذي ذل , فإن لنا في ذلك كلام . إن هذه الكلمة إنما تطلب لعزيز قد ذل بعد عز , وضعف بعد قوة , وافتقر بعد غنى , ولكن من هو العزيز هذا ؟؟ هل الغني الفاجر عزيز ؟ هل القوي الظالم عزيز ؟ هل صاحب السلطة الفاسد عزيز ؟ إن العزيز لا يأتي إلا بمكارم الأخلاق , ولا ينادي إلا بالعدل , ولا يطلب للناس إلا الخير , وما كان دون ذلك فليس بعزيز وإنما هو ذليل استذله الشيطان ونأى به عن الجادة , فإذا سقط بظلمه وتعس بفساده وذل بجبروته واستبداده , فلا كرامة له , ولا رحمة , إذ كيف يتفق طلب الرحمة لصاحب عز ظالم مع قول الحق سبحانه : ( قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) , ألم تكن السيادة والعزة لهذا الباطل قبل أن ينتصر الحق عليه ؟ وعندما هزم الله سبحانه هذا الباطل صار ذليلا مخذولا حقيرا ؟ وكيف يتفق مع قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من لا يرحم لا يُرحم ) ؟ أو مع قوله ( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ) ؟ وهي سيدة نساء الأمة رضي الله عنها البتول الطاهرة .
ولو كانت الرحمة تُطلب لكل عزيز قد ذل حتى وإن كان ظالما لفسدت الدنيا كلها , إذ أن كل عربيد متكبر ظالم فاجر عليه أن يستمر في ظلمه وجبروته حتى إذا ضعف وذل ووهن استحق الرحمة لما أصابه من ذل وضعف , وهذه إن كانت كذلك لفسدت الدنيا بأسرها , وهلك الناس جميعا , واستقوى بعض الناس على بعض , وصار البقاء للأقوى وحكمنا قانون الغاب , وسادت المناهج الشيطانية . إنما جُعل الانسان في الأرض خليفة لله عز وجل يقيم فيها العدل بأمره ويحكم يما يرضي الحق سبحانه وينشر في الأرض النور والعدل والسلام . ( ارحموا عزيز قوم ذل ) .. كلمة أطلقها البعض بزعم أنها حق ولكنه يريد بها باطل , فقالوا مما قرأت وسمعت , إن حسني مبارك يستحق الرحمة لأنه عزيز قوم ذل , وقالوا لقد وصل عمره ( 83 ) سنة وإن الله يستحي من العبد إذا اصابه الشيب فلماذا لا يستحي الناس من محاكمته ؟ وقالوا إنه فقد سلطانه وأصابه الضعف والشيب فهو يستحق الرحمة , ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء )
إن مبارك الآن يبكي على سلطة ضاعت وبدن تهالك ونفس قد اهترأت . واقول لهؤلاء ... إن كلامكم مردود عليه ولن تخدعونا به , فمبارك ليس بعزيز , وقد فسرنا هذا آنفا , أما قولكم إن الله يستحي من العبد إذا أصابه الشيب فنعم , لكنكم تفهمونها بفهمكم القاصر , فإن الله يستحي من العبد إذا أصابه الشيب أن يراه الله مهينا حقيرا يقترف الذنوب والمعاصي على كبر سنه وضعف نفسه وذهاب شهواته , يستحي أن يعاقبه على كبر سنه , ولكن إذا اقترف المعاصي على كبر سنه فسيعاقبه الله عز وجل , بل سيكون غضبه عليه اشد وأقوى من غضبه على شاب لم يستطع الصبر على شهوات نفسه . فإن مما جاء في الحديث من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ( أشيمط زاني ) يعني شيخا زاني , وأما قولكم أنه فقد سلطانه واصابه الوهن والصعف فهو يستحق الرحمة , فنقول لكم هل كان سلطانه إلا بمشيئة الله الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ؟
وهل كان سلطانه حقا ملكا خاصا له أم أن الله ابتلاه بالملك ليرى كيف يحكم ؟ هل يحكم بالعدل أم بالجور والظلم والفساد والاستبداد ؟ وهل كانت مصر وشعبها وأرضها من ممتلكاته الخاصة فنزعت منه وحرم منها , أم كانت أمانة ولاه الله عليها فخانها واستبد بشعبها وسرق أموالهم وجلب عليهم الهم والمرض والنكد , وقتل الشباب وأفسد في الأرض وظلم واستبد وجعل الناس شيعا وسلط طائفة على طائفة مازال أثرها موجودا في الناس وسيظل إلى وقت غير قريب حتى يأذن الله بقطع دابره ؟ أذل العلماء ,وهجر العقول , وجعل المال والسلطة هي الحكم بين الناس , الضعيف فيهم لا حق له , سخر من الدين وأهله , وباع الأرض والعرض , وجعل المصريين أضحوكة العالم , فتجرأ عليهم الناس , وسمح لكل قبيح أن يعلو ويظهر , واضطهد كل جميل يدعو لمكارم الأخلاق , لم يرحم أحد , ولم يرق قلبه لأحد , شبع والناس جوعى , وعاش والناس موتى , وسلم وفقد الناس الأمان , جمع المال والناس فقراء يشكون لله مرارة العيش , لم تتحرك فيه شعرة لنصرة مظلوم وهو الحاكم , ولم يغضب لقتل مسالم وهو صاحب السلطة , ولم يعترض على سجن بريء وقد أطلق اللصوص والقتلة والمجرمين أحرارا , كلما اشتد ظلم انسان ارتفعت اسهمه عنده وأسند إليه المناصب , قرب اليه الظالمين وأبعد المخلصين الشرفاء , اغتر بقوة نظامه وبطشه وتنكيله بالناس ونسي أن الله هو القوي العزيز , حتى الفن في عهده لم يكن إلا فسقا وفجورا وانحطاطا وإباحية , فسد في عهده كل شي , كل شيء , التعليم والصحة والفن والأدب والصحافة والإعلام والأمن والسياسة والاقتصاد والأخلاق , ضاق الناس من كل شيء , وأصابهم اليأس والمرض , ما ترك سوءا إلا وجلبه لمصر , إن أسوأ حقبة في تاريخ مصر الحديث هي فترة حكمه , وسنظل نعاني منها كثيرا , إن حسني مبارك يا سادة ليس عزيز قوم ذل , إن الظالم الفاسد الفاجر هو الذليل الحقير وإن كان حاكما , ولن تخدعنا تلك الأقاويل التافهة , إن العز لا يكون إلا في طاعة الله , لا يكون إلا في العدل والخير والصلاح , ولا يكون عزيزا يستحق الرحمة إن ذل أو لم يذل إلا من كان نافعا للناس , عادلا إذا حكم , كريما إذا أعطى , رحيما بكل ضعيف , يفرع للمظلوم فينصره , وللمجروح فيداويه , يأخذ على يد الظالم حتى يرده عن ظلمه , ويعاقب الفاسد , ويحترم الدين وأهله , ويجل العلم والعلماء , هذا هو العزيز , أما مبارك فليس بعزيز يا سادة , ولو كان فيه خير لنفع نفسه وطلب من الله المغفرة , ولكن كل إناء بالذي فيه ينضح , وقد مليء مبارك ظلما وضلالا وكبرا ألى مُشاشه , ولن يجد في نفسه اليوم ما ينفعه, فكفوا عن هذا الكلام , فإن الذي يستحق الرحمة هو هذا الشعب الذي عانى عشرات السنين من الظلم والاضطهاد والوحشية , هذا الشعب الذي استشهد منه الكثير وفقد الكثير من الأمهات فيه أبناءهن , انه الشعب الذي استضعفه الظالم أكثر من ثلاثين عاما , لهو اليوم الذي يستحق أن يعيش مرفوع الراس كريما عزيزا , وهو الذي يستحق الرحمة بحق , وإن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته , وقد أرسل الله رسائل تحذيرية كثيرة لمبارك وعصابته , ولكنهم لم يستوعبوا االدرس , يقول الحجاج لعجوز , والله لأقتلن ابنك , قالت لو لم تقتله مات , وهذا من ذكاء العجوز , ولكن الطغاة لا يفهمون الرموز , هؤلاء الطغاة الذين استذلهم الشيطان فعبدوا أنفسهم وعبدوا السلطة والمال والهوى , وشاء الله أن يجعل كل طاغية ذليلا مهانا حقيرا حتى يكون عبرة للناس فييتعظوا, ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
أحمد المنسي
ALMANSI9@HOTMAIL.COM