تمر الأيام والسنون ولا يزال نواب مجلس الأمة يطالبون الحكومة بتنويع مصادر الدخل بالرغم من وجود مصدر ثانٍ للدخل وهو أرباح الصندوق السيادي السرية، ويطالبون الحكومة كذلك بتفعيل دور القطاع الخاص ويشتكون في الوقت نفسه من جشع التجار. وبعد أن أصبح دونالد ترامب المعادي للوافدين رئيساً للولايات المتحدة وتأثر بطرحه السياسيون حول العالم، ظهرت عندنا بشكل مفاجئ مشكلة التركيبة السكانية. بدأ السياسيون والمواطنون يعبرون عن نسبة %70 للوافدين مقابل %30 للمواطنين بشكل خاطئ ومبالغ فيه وهو 3 إلى 1 بدل الشكل الصحيح وهو 2.33 وافد إلى كل مواطن وهو ببساطة ناتج قسمة 70 على 30. (3 إلى 1 تحتاج نسبة %75 مقابل %25).
قبل الدخول في تفاصيل العلاقة بين أعداد الوافدين وتنويع مصادر الدخل، لا بد أولا من تحليل دخل غير الكويتيين في الكويت وكيفية تعاملهم مع هذا الدخل.
دخل الوافدين
حسب الإحصاءات الأخيرة للهيئة العامة للمعلومات المدنية، يعمل لدى الحكومة 144 ألف غير كويتي بمتوسط راتب شهري للموظف يعادل 691 ديناراً حسب بيانات الإدارة المركزية للإحصاء. ويعمل في القطاع الخاص 1.483 مليون غير كويتي بمتوسط راتب 251 ديناراً شهرياً. أي يحصل الوافدون العاملون في الحكومة والقطاع الخاص على ما مجموعه 5.66 مليارات دينار في السنة بمتوسط 290 ديناراً شهرياً. ولو أضفنا لما سبق 613 ألف غير كويتي من فئة العمالة المنزلية بمتوسط دخل 117 ديناراً شهرياً لكان إجمالي ما يحصل عليه الوافدون في الكويت يعادل الـ6.52 مليار دينار في السنة بمتوسط 243 ديناراً شهرياً أو 9543 دولاراً سنوياً للعامل.
إلى ذلك، هناك ما يقارب 19 ألف غير كويتي عاطل عن العمل وأكثر من 814 ألف غير كويتي خارج قوة العمل أو طالب أو صغير في السن. ما يجعل الإجمالي 3.07 ملايين غير كويتي يحصلون على 6.5 مليارات دينار كدخل سنوي وبمتوسط دخل شهري 177 ديناراً أو 6956 دولاراً سنوياً للفرد. ولو طرحنا من الإجمالي مبلغ تحويلات الوافدين للخارج، وهو 15.2 مليار دولار أو 4.6 مليارات دينار حسب بيانات البنك الدولي لسنة 2015، الذي يمثل %71 من إجمالي ما يحصل عليه الوافدون من رواتب. لكان متوسط ما ينفقه الوافد على نفسه وعلى أسرته الموجودة في الكويت هو 51 ديناراً شهرياً للفرد أو 2010 دولاراً في السنة لكل فرد غير كويتي والذي يمثل %29 فقط من دخله. (لا تحتاج العمالة المنزلية للإنفاق على الأساسيات لكن يصعب فصل مبالغ التحويلات الخارجية حسب نوع العمالة)
مقارنة تحويلات الوافدين
حتى نعرف دلالة أرقام التحويلات وما ينفقه الوافدون على أنفسهم كان لا بد من مقارنة نسبة تحويلات الوافدين إلى إجمالي الناتج المحلي ومتوسط التحويل السنوي لكل وافد في دول مجلس التعاون لسنة 2014، وفق بيانات البنك الدولي والأمم المتحدة. وكانت النتيجة أن احتلت الكويت الترتيب الثاني بين دول مجلس التعاون كأعلى نسبة للتحويلات إلى إجمالي الناتج المحلي عند %11.15 بعد عمان بنسبة %12.71 تلتهما البحرين عند نسبة %7.08 ثم قطر عند نسبة %5.45 والسعودية عند %4.90 وأخيرا الامارات عند نسبة %4.80.
أما بالنسبة إلى أعلى متوسط للتحويل السنوي للوافد في دول مجلس التعاون فقد كان 6325 دولاراً في السنة للكويت وقد احتلت المركز الثاني أيضا بعد قطر بمتوسط 6654 وتلتهما عمان بمتوسط 5583 ثم السعودية بـ3625 فالبحرين بـ3358 وأخيرا الامارات بمتوسط 2382 في السنة.
تبين النتائج أن الكويت وعُمان من أسوأ دول مجلس التعاون في تحفيز الوافدين على الانفاق الداخلي بدل التحويل للخارج. بينما كانت الإمارات الأفضل بالرغم من كون الوافدين فيها يمثلون %32 من إجمالي الوافدين في الخليج ويشكلون من 6 إلى 8 أضعاف عدد المواطنين في الدولة. وهو ما يبين بوضوح أن سياسة الإمارات الاقتصادية وتركيبتها السكانية هي التي أدت لتفعيل أكبر لدور القطاع الخاص وتحقيق تنويع لمصادر الدخل من الاقتصاد المحلي عن طريق تحقيق إيرادات وأرباح من الرسوم على الخدمات الحكومية وضرائب السياحة.
تعديل التركيبة في الاتجاه المعاكس
بينما خلصت نتائج البحث إلى أن النموذج الخليجي الوحيد الناجح في تنويع مصادر الدخل من الداخل هو في الإمارات، نشرت القبس بتاريخ 17 أبريل 2017 خريطة طريق صادرة من مكتب وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية هند الصبيح تقيد استقدام العمالة الأجنبية لمعالجة اختلالات التركيبة السكانية. وهو ما يعاكس طريق التجربة الإماراتية الناجحة. وهنا لابد من توضيح التغيير المطلوب في دور الوافد بالاقتصاد المحلي قبل اقتراح التعديل المناسب للتركيبة السكانية.
كما هو واضح من البيانات ونسب التحويلات المرتفعة، يقتصر دور الوافد في الكويت على توفير الرفاه للمواطنين والقيام بالأعمال التي لا يستطيعون أو لا يريدون القيام بها، ولا يمثل مصدر دخل للدولة يمكنها من زيادة الانفاق على مواطنيها. لذلك لابد من احداث تغيير في دور الوافد ليمتد إلى المساهمة في الانفاق على المواطنين، كما هو الحال في دبي، وبعد رفع أسعار جميع الخدمات والرسوم الحكومية على الوافدين لدرجة تحقق أرباحا للهيئات والمؤسسات الحكومية المختلفة. بعدها يتم فتح استقدام الوافدين المفيدين مع أسرهم على مصراعيه وتمكينهم من التملك وممارسة الأعمال بعيدا عن قيود نظام الكفيل الاستعبادي وبدلا من المقترحات غير المنطقية المتمثلة بفرض رسوم على تحويلاتهم.
عند ذلك نبدأ بعرض خريطة طريق تعدل التركيبة السكانية في الاتجاه المعاكس إلى %20 مواطنين و%80 وافدين، أي بمعدل 4 وافدين لكل مواطن. وبزيادة تقارب الـ 2 مليون وافد ليصبح اجمالي عدد الوافدين يقارب الــ 5.2 ملايين إلى 1.3 مليون مواطن. وحتى نكون واضحين أكثر في الطرح والأرقام سنضرب مثالا توضيحيا مبسطا وسنفترض أن متوسط التحويل السنوي لكل وافد بالدولار انخفض إلى النصف، وحصلت الحكومة على ثلث هذا الانخفاض لكان صافي دخل الحكومة من الوافدين يقارب الـ 5 مليارات دولار أو الـ 1.6 مليار دينار في السنة وسيعمل الثلثان الباقيان على دعم القطاع الخاص والاقتصاد المحلي بشكل عام حسب التفصيل التالي:
● 6325 دولاراً هو متوسط التحويل السنوي لكل وافد بالدولار في الوضع الراهن ونصفها هو 3163 دولاراً.
● نفترض أن يكون نصيب الحكومة بعد رفع أسعار الخدمات والرسوم هو 1000 دولار في السنة كإيرادات إضافية من كل وافد بسبب زيادة 3163 دولاراً في إنفاق الوافدين على أنفسهم بدل تحويلها للخارج.
● حاصل ضرب 1000 دولار في 5.2 ملايين وافد يساوي 5.2 مليارات دولار او 1.6 مليار دينار تقريبا.
● سيتم إنفاق الــ 2163 دولاراً الباقية لكل وافد أو اجمالي الــ 11 مليار دولار في الاقتصاد المحلي، وستشكل دعما للقطاع الخاص وللاقتصاد المحلي بشكل عام.