fiogf49gjkf0d
محمد عبد العزيز يكتب :-
قلب مصر ينزف فانزع قبضتك الحريرية يا مشير
الرحمة والعذاب معنيان مقترنان في كثير من أي القران الكريم بدليل قوله تعالى " نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم " وقوله تعالى " يا أبت انى أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن " التي وردت على لسان نبي الله إبراهيم – عليه السلام- لتؤكد أن للرحمن عذاباً يوقعه على العصاة ، وهو ترهيب لهم لكي يفكروا ملياً قبيل الإقدام على المعصية والخروج عن المألوف .
ومن هنا ندرك أن الرحمة لا يمكن أن تخلو من الشدة حتى تستقيم الأمور الحياتية ، ومن المبادئ العامة للتربية تلازم الرحمة بالهيبة حتى أن احد الشعراء قال بيته الشهير: فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحيانا على من يرحم .
آثرت هذه البداية للحديث عن النهج الذي يسير عليه المجلس العسكري في مصر
المتبع لأسلوب شديد النعومة مع كل مجريات الأحداث في الشارع منذ تقلده زمام الأمور بدافع تكريس الديمقراطية ، لكن مع حالة الانفلات الأمني التي بدأت تعيشها مصر منذ مارس الماضي لا يستقيم استمرار هذا الأسلوب ، فلابد من إعمال الشدة والضرب بيد من حديد على قلب كل من تسول له نفسه إشعال نيران الفتنة بين أبناء الوطن الواحد .
والفتنة نائمة ملعون من أيقظها ، وأعتقد أن كثيرون يهمهم إشعالها مثل الأذرع الأمنية للنظام السابق والمستفيدين منه لعقود مضت ، بالإضافة إلى من يعشقون ذواتهم ومصالحهم الشخصية ويحاولون الظفر بنصيب في الكعكة بأي صورة .
واختارت هذه الفرق المتمصلحة أهم وأضعف أعضاء الجسد المصري - الوحدة الوطنية - فسعت إلى تفريق النصارى والمسلمين ، وأرى أنها بمثابة القلب للجسد ، وبعد اندلاع النيران بين الطائفتين في أحداث المقطم ثم اطفيح وأخيرا إمبابة فأن قلب بلادي بات ينزف بشدة جراء هذه الطعان الغادرة ، ولابد أن يدرك المجلس الانتقالي الحاكم أن اليد المرتعشة لا تقوى على البناء ، ونطلب منه وقف سياسة النعومة ليعلم البلطجية ومثيرو الفتن أي منقلب ينقلبون .
إن مستقبل بلادنا لا يزال قيد التشكيل ولا نعرف مآلات الحقوق المدنية والسياسية فيه ، لذا نطالب المشير ورفاقه ارتداء قبضة حديدية لاستخدامها مع المتجاوزين فور تجاوزهم ليكونوا عبرة لغيرهم حتى لا تسقط هيبة الدولة ويستأ سد الصائدون في الماء العكر ويحققوا مآربهم ليطرحوا سؤالاً مهما على المصريين مفاده هل جحيم النظام الاستبدادي أرحم من جنة فوضى فهم البعض الخاطئ للديمقراطية .
ولا أدرى كيف سمح الأمن بتفاقم أحداث الصراع الطائفي في مصر ولم يكن متأهباً لذلك بعد أحداث مشابهة سبقت وغيرها سيحدث مستقبلاً - إن ظل الأمن بهذه العقلية - التي تتصرف بردة أفعال لا بخطط مسبقة تحول دون حدوث الكارثة ، فكم الطلقات النارية التي خرجت من كنيسة " مار مينا " في ضاحية إمبابة مؤخراً يثير الذعر ، طارحاً تساؤلات عديدة متى وكيف ولماذا دخلت هذه الأسلحة إلى إحدى دور العبادة ؟ وهل الدولة باتت عاجزة عن مصادرة تلك الأسلحة التي أشعلت سماء إمبابة يوم السبت الدامي الذي راح ضحيته أكثر من عشرة قتلى ؟ ، ومن الذي حول المسلمين والنصارى إلى ميليشيات مسلحة وأذكى نيران الفتنة بينهما ؟
لقد أصدرت الحكومة على خلفية تلك الأحداث بيانا فحواه أنها لن تصمت وستطبق القانون بحزم على المتجاوزين وبعدها بسويعات نظم النصارى اعتصامهم أمام مبنى التلفزيون ورفعوا شعارات ورددوا هتافات مثيرة السلف .
الحكومة كالجيش كلاهما يرتدي قفازًا متشابها ، والمطلوب منهم استبداله فورا لتصبح قبضتهم حديدية لا حريرية ، نريد وقفاً للتظاهرات وتجريماً للتجمهر في المرحلة الآنية لنتفرغ للعمل والإنتاج وتدوير عجلة الاقتصاد وليطبق القانون بحزم وقوة وسرعة على الجميع مسلمين ونصارى .
وعلى الشرطة والجيش تحقيق تعهداتهما بالحفاظ على أمن مصر وليجرم كل من يعبث بأي دور من دور العبادة مسجداً كان أو كنيسة ، ولا مانع من تغليظ العقوبات بأن ينفذ حكم الإعدام في من يثبت تورطهم في إشعال الفتنة الطائفية في ميدان عام ليعتبر الجميع وتهدأ الأمور وينعم المصريون بالاستقرار والأمن ،فليحاسب أي مسئول مهما علا ازهرى كان أو كنسي إذا كان متسببا في إثارة الفتنة ، متعدياً على حرية العقيدة ، أو إذا كان محتجزا ً لمواطن ، فحرية العقيدة مصونة في مصر منذ القدم .
الأقلية المسيحية في مصر يشير إليها العالم أجمع بأنها أكثر أقليات العالم شعوراً بالتقدير وصون الكرامة والعيش الآمن ، رغم الأحداث الطائفية التي تطل علينا من حين لأخر بوجهها القبيح بسبب بعض المنفلتين أو المتشددين من الفريقين كالقس الذي يردد في كل مناسبة أن مصر دولة مسيحية وأنهم أصحابها الحقيقيون ، فلنسلم بذلك لكن ليتذكر أن مصر أول دولة في العالم تعرف التوحيد في عهد نبي الله يوسف – عليه السلام - حينما دعا الحاكم الفرعوني امنمحتب الرابع إلى نبذ عبادة آمون التمثال الذي كان المصريون يتخذونه الهاً من دون الله وأرسى لعبادة الله الواحد الأحد وغير اسمه إلى اخنا تون نسبة إلى آتون بمعنى الرب الأوحد ، وهى أول ثورة دينية في التاريخ .
وجاء الفتح الاسلامى لمصر قبل 1400 عام ليخلص المصريين من ظلم وهوان الرومان الذين حرفوا الإنجيل وانزلوا بنصارى مصر اشد ألوان العذاب رغم اعتناقهم نفس عقيدتهم ، ورحبوا بمقدم الفاتح عمرو بن العاص – رضى الله عنه - الذي أمنهم على حياتهم وأعراضهم وصان كرامتهم ونشر العدل والمساواة بين جميع أبناء مصر مسلمين ونصارى فتوافدت أعداد غفيرة إلى الإسلام قانعين بنصوصه العادلة وامنين في ظل قوانينه الإلهية القويمة ، ومن لم يدخل الإسلام طواعية فرضت عليه الجزية وعاش آمناً في سربه منذ العام 61 هجريا وحتى وقتنا هذا .
بعد فتح مصر أعطى عمرو بن العاص المسيحيين أماناً استمده من تعاليم الإسلام السمحة وتوصية رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقبط مصر وجاء نص حديث عمرو بن العاص اليهم كالأتي : (هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليه شئ ولا ينتقص ) وكان دائما يوصى المسلمين في خطبه بمراعاة النصارى والمحافظة على حسن جوارهم قائلاً لهم (استوصوا بمن جاورتموه من القبط خيراً ) .
إذا المسيحية تصان في مصر منذ ما يزيد على ألف وأربعمائة عام ، فلا معنى للحديث عن أن النصارى هم المالكون الحقيقيون لمصر فالأرض ملك للخالق والعباد مستخلفون .
ومن الأمور المستفزة المثيرة للجدل استقواء بعض النصارى بأمريكا عقب كل أزمة مع بعض المسلمين ؟ وماذا ستفعل لكم أمريكا، فما أظنها إلا كياناً ليس بالقوة التي يصورها العالم ، يلهث خلف مصالحه فقط التي يراها مع اليهود دوما وليس مع النصارى رغم أنهم بني عقيدته، فرهان بعض نصارى مصر على أمريكا خاسر لا محالة .
إن مصرالتى لم تعرف في العصر الحديث معنى الحياة المدنية والحرية والديمقراطية ، بعد أن حكمها العسكر بعد إقصاء الملك عام 1952 ، ما أراها الآن إلا مولوداً جديداً يصرخ بكاءً من هول مفاجأة الحياة الجديدة عليه ، كيان كبير وسلطان نافذ كان قائما فتهاوى فجأة ، فلابد من وقت طويل حتى تجمع مخلفاته وتسوى الأرض استعداداً لبناء جديد فلا داعي للنظرة التشاؤمية التي يسوق لها بعض المصريين، لابد أن نتحلى بالصبر إن أردنا تذوق طعم الحرية والحياة الجديدة في مصر ويجب ألا نسهم في ترديد الإشاعات وتهويل الأحداث ، ولنقل خيراً أو لنصمت ، حتى لا نمنح ضعاف النفس المغرضين من أذناب النظام السابق أن يعيدوا فرض هيمنتهم على الحياة ويطعنوا في الثورة ويرددوا أن العصر البائد له أفضلية على الفوضى الحالية ، لكنها الفوضى الخلاقة - إن شاء الله - وبوعد من الله مصر آمنة .
وفى النهاية رسالة إلى المشير طنطاوي والدكتور شرف حققا وعدكما للمصريين بحماية مصر والذود عنها وأحكما قبضتكما الحديدية وكفى حريرية .