بقلم/ انجي ابراهيم 
أذكر يوم قابلته أول مرة، ابتاعت لي أمي عددين من سلسلة "رجل المستحيل" وعددين من سلسلة "ملف المستقبل" فانتقيت أدهم لأحبه، كنت طفلة في الابتدائي، أحببت أدهم بصدق، وكنت أعتبر "منى توفيق" عدوتي اللدودة، وأتقبل "سونيا جراهام" باعتبارها ليست خطرة جداً على علاقتي بأدهم، استمر هذا الحب الجارف عدد غير قليل من السنوات، حتى وقعت في حب "رفعت إسماعيل"، ما علينا، ليس موضوعنا هنا أحكي لك قصة حبي لرفعت – ولو فعلت لاستغرق الأمر دهراً – أنا كنت أحكي عن أدهم صبري، الذي يحمل لقب (ن1) حرف النون يشير إلى أنه فصيلة نادرة ورقم واحد يشير إلى أنه الأول من نوعه، إنه هو رجل المستحيل.
 
كان أدهم صبري بطل خارق، يجيد استخدام جميع أنواع الأسلحة، من المسدس إلى قاذفة القنابل، ويجيد كل الرياضات القتالية من المصارعة وحتى التايكوندو، ويقود جميع أنواع المركبات من السيارات إلى الطائرات وحتى الغواصات، إنه يستحق اللقب، لقب رجل المستحيل.
 
تلك الديباجة استدعيتها بسهولة من الذاكرة، فقد قضيت وقتاً طويلاً من عمري أحب أدهم، وأكره إسرائيل واقولها لو اتسأل إن شالله اموت قتيل أو اخش المعتقل، كان أدهم هو الخير المطلق، ضابط المخابرات الثعلب الذي يقهر كل الإسرائيليين ويحاربهم بشجاعة، يضربهم بأطرافه الأربعة ويطير في الهواء وينجو من التماسيح والشنق والسيارات المسرعة، في كل مرة أركب مواصلات ويغلبني النوم أتذكر أدهم عندما كانوا يعصبون عينيه وينقلونه في سيارات مسرعة وعندما يهرب منهم يستطيع معرفة الطريق بسهولة لأنه كان يحفظ انحناءات الطرق وهو معصوب العينين ويحسب سرعة السيارة واتجاهاتها، كل دة وهو متغمي، كان ذكي أوي الله يرحمه.
 
استغرق حبي لأدهم حوالي كذا سنة مش فاكرة بالظبط، كنت قد تشبعت فيهم بأفكار عظيمة عن الكرامة والسيادة والوطن، تشبعت بكراهية إسرائيل، كنت أعتبر أن أي كلام عن إسرائيل باعتبارها دولة هو خيانة صريحة، لو سمعني أدهم أتناقش في هذا الأمر لغضب، وانا بحبه مقدرش على زعله، كنت أكره سونيا جراهام، الإسرائيلية الشريرة الفاتنة، كنت أؤمن أننا عظماء، وأن كل رجال المخابرات يشبهون أدهم صبري.
 
كانت إسرائيل بالنسبة لي فاتنة ذكية قاتلة، كان وجه إسرائيل في مخيلتي الصغيرة يشبه رسم الأستاذ "إسماعيل دياب" لوجه سونيا جراهام، فاتنة كثيفة الشعر فارعة العود تحمل – دائماً أبداً – مبسماً رفيعاً معلق به سيجارة، وكانت شريرة جداً، تقتل كل الناس ولا يمنعها من قتل بطلي أدهم سوى أنه كان أذكى منها، كنا في نظري أقوياء أقوى من إسرائيل والدليل أن أدهم أقوى من سونيا، كنت مقتنعة تماماً بكل تلك الأفكار، متشبعة بها للغاية للدرجة التي جعلتني أتمنى لو قابلت سائحاً إسرائيلياً لأخبره كم أنني أكرهه وأكرههم جميعاً، كنت أتمنى أن أقابل إسرائيلياً لأرفض أن أمد يدي له بالسلام وأخبره بألاطة أن يديه ملوثة بدماء الأطفال، كنت أتخيل محادثات طويلة تدور بيني وبين هذا السائح المزعوم، أرتب الكلام بإنجليزية سليمة، حتى إذا ما أخبرني السائح أنه يجيد العربية أفحمه بأنني لا أريد أن أتحدث معه باللغة التي سرقها كما سرق الأرض من الفلسطينيين، كانت تلك الجملة تحديداً تعجبني للغاية وكنت أشعر أنها فصل القول، هفحمه هفحمه يعني.
 
ثم كبرت، ونسيت أدهم وإن ظل يحتل مكانة في قلبي باعتباره الحب الأول، وقد كانت أول هدية من زوجي قبل أن نتزوج هو كل أعداد سلسلة رجل المستحيل والأعداد الخاصة كمان، كنت أحكي له عن حبي القديم وقد أقنعته للدرجة التي جعلته ينفق ثروة على تلك الهدية.
 
لا أعرف ما حدث لأدهم في آخر السلسلة، ولكنني اعتبرته تقاعد وتزوج منى توفيق، كنت أتجنب قراءة كلام متابعي السلسلة عما حدث لأدهم، لا أريد أن أعرف أنه مات، أدهم العظيم القوي الوسيم البطل لا يموت، على الأقل في مخيلتي أنا، حافظت على صورة البطل الذي لا يقهر، ن1 رجل المستحيل الذي تسعى خلفه كل أجهزة المخابرات المعادية لا يمكن أن يموت بسهولة.
 
ثم حدث أن رأيت زيارة وزير الخارجية "سامح شكري" لإسرائيل في يوليو الماضي، فوقع في قلبي أن أدهم مات، ورأيت صور نفس السامح شكري في جنازة "شيمون بيريز" من أيام، فتأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن بطلي القديم قد مات.
 
تخيلت بعقل طفلة في الابتدائي أن السبب الوحيد الذي يدفع وزير خارجيتنا للذهاب إلى هناك هو أننا لم نعد نمتلك أدهم صبري لنظل أقوياء، مات أدهم ولن "يتشعبط" أحد في طائرات الهليكوبتر لينفذ المهمة المكلف بها من رؤساءه، ولن يجد الخصوم الإسرائيليين أحداً ليضربهم بأطرافه الأربعة وهو يطير في الهواء، ولن ينحني أحد في الوقت المناسب حتى تخطئه الرصاصة، ربما ذهاب سامح شكري المتكرر هذا هو حماية لمني توفيق، فأدهم مات ولن ينقذها أحد من الخطف، وستظل تبكي للأبد.
 
أدهم مات، فيجب علينا أن ننحني قليلاً، أن نذهب لنشاهد مباراة كروية مع وزير خارجيتهم، ثم نذهب مرة أخرى لتوديع سفاحهم الكبير، لماذا؟؟ لأن أدهم مات ما انا قلتلك من شوية.
أدهم مات، فيجب أن نحزن جميعاً، نحزن لأن كل أفكارنا الطفولية قد سحقوها، ولأننا لن نجرؤ أن نجعل أبناءنا يكرهون العدو الطبيعي، يجب أن نتحدث جميعاً عن السلام في حزن، ونحني الرؤوس حتى لا نصطدم صدفة بعيون قديمة أحبت أدهم وكرهت إسرائيل.
 
أدهم صبري، رجل المستحيل، ن1 قد مات، فيجب على سامح شكري أن يذهب، هذا هو السبب المنطقي الوحيد، الله يرحمك يا ابو الأداهيم.