أمر مخيف ولكنه إيجابي
 أحمد المنسي Almansi9@hotmail.com
بدون مقدمات , فإن المشهد الإسلامي في مصر يثير القلق بشكل غير عادي , فالإسلاميون مرهقون متعبون حائرون بين الفهم الصحيح للدين والجهل بالعمل السياسي , والإشكاليات الداخلية فيما بينهم , لتجد انقسامات في صفوف الإخوان المسلمين على الرغم من أنهم أكثر التيارات الإسلامية في مصر تنظيما وإدراكا لأبعاد العمل العام والسياسي والاجتماعي والمؤسسي أيضا , لنفاجأ بعد ذلك بعد أن كان يجمعهم العداء والرفض لظلم النظام السابق حالهم في ذلك حال الشعب المصري كله , نفاجأ بالاختلاف والانقسام فيما بينهم على إدارة المرحلة فيما يتعلق بالجماعة , غير أنني لست قلقا من الاختلاف فيما بينهم , لأن الإخوان المسلمون بخبرتهم الواسعة قادرون على التعامل مع مثل هذه الخلافات , فهم متمرسون على مواجهة ظروف عصيبة أكثر تعقيدا من قضية الاختلاف في وجهات النظر والانشقاقات , ولكن القلق كل القلق مما يطرأ من متغيرات في مصر بشكل عام , وما بين التيارات الإسلامية والدينية الأخرى بشكل خاص , فهناك حرب شعواء على التيار السلفي في مصر , وهجوما عنيفا لم يعهده هذا التيار من قبل – حتى في زمن النظام البائد – وساهمت في ذلك بعض التصريحات التي انطلقت من بعض المنتمين للتيار السلفي أبسط ما يقال عنها أنها غير مسئولة , في حين أن التيار السلفي في مصر ليس لديه خبرة الإخوان المسلمين في التنظيم والترتيب ومواجهة الظروف العصيبة , مما أدى إلى إرهاق الدعاة السلفيين في سعيهم للتبرؤ من بعض التصريحات غير المقبولة من بعض الأفراد المنتمين إليهم من جهة , ومحاولة إبراز وشرح حقيقة الدين الإسلامي بما يحمله من مشروع إصلاحي للناس جميعا من جهة أخرى , كأن هناك محاولة من جهات مجهولة لفرض حالة من الهرج والفوضي في مصر بضرب ثوابت الأمة وإشغال الإسلاميين بالدفاع عن أنفسهم وإبعادهم عن المشروع الأكبر وهو بناء مصر بعد الثورة , واستنهاض همم الشباب ودفع عجلة الإنتاج والتطوير .
نجد التيار الديني في مصر منقسما ومتوترا , فتارة نجد مطالبة بهدم الأضرحة , ثم نجد من ينفي صحة ذلك باتهام من طالب بذلك بالجهل بحقيقة الدين , وتارة نقرأ خبرا فحواه أن بعض من ينتمون للتيار الديني يقومون بتطبيق الحد على مواطن مصري مسيحي ويقطعون أذنه , في شكل مسرحي هزلي , ثم نجد من يخطئهم ويتبرأ من هذا الفعل , ولا نعرف من وراء إشعال كل هذه الفتن في مصر , وما فائدة هذا الخبر من الأساس ؟ ثم يظهر علينا أحد المنتمين للجماعة الإسلامية ليطالب بتطبيق نظام الحسبة في المجتمع وهو ما يقابله تأسيس جماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقوم بضبط السلوكيات في الشارع المصري , ثم يخرج واحد من أبرز قيادات الجماعة ليعلن خطأ هذه الفكرة وأنه لا يجوز أن تكون هناك مؤسسة من هذا النوع إلا تحت مظلة وزارة الداخلية , والبديل هو تفعيل عمل شرطة الأداب . ولم تنج أكبر مؤسسة دينية رسمية في مصر وهي الأزهر الشريف من هذه الفرقة وهذا الخلاف والانقسام , فتجد من يطالب بإقالة شيخ الأزهر بحجة أن الرئيس المخلوع هو الذي قام بتعيينه , ومن يطالب بتعيين شيخا للأزهر عن طريق الانتخاب الحر , ونجد أصوات تعلو في الأزهر تحمل سمة تصفية الحسابات في بعض الأحيان .
 ثم تأتي الطامة الكبرى والفجيعة العظمى في موقف التيار المتصوف في مصر , الذي تحرك بفزع شديد وهاجم التيار السلفي وتيارات دينية أخرى تختلف معه في الفكرو الرأي , وليست الطامة في الاختلاف وإنما في المصطلحات التي صاحبت تصريحات المتصوفين , فرأيت المتحدث باسمهم يحمل صفة (سيد) وسمعته يقول ( الإمام ) ويقصد بها شيخ الأزهر , ويقول (المرجعية ) الخاصة بنا هي الأزهر الشريف , والملفت للنظر أن المصطلحات ( سيد و إمام ومرجعية ) هي مصطلحات لصيقة بالمذهب الشيعي , وكون الأزهر مرجعيتهم فهذا عجيب , لأن الأزهر مرجعية كل المسلمين في مصر , ويعد مرجعية لكثير من البلدان الإسلامية ايضا , وعليه فإن ذكر السيد المتصوف لمرجعية الأزهر يذكرنا بقلق شديد بموقف الأزهر من المذهب الشيعي , رغم ماهو معروف عن الشيعة الاثنى عشرية بخاصة من سب وشتم ولعن لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم , وما لدى الشيعة من مشروع صفوي فارسي للهيمنة على المنطقة , وقد أعلنوا عن ذلك مرارا وتكرارا بدون تقية . الأمر الآخر الذي لا يقل خطورة عن ذلك هو أني شاهدت بالأمس قناة فضائية شيعية ترفع على شاشتها أعلام مصر وتونس وليبيا والبحرين واليمن , في محاولة توصيل رسالة للمشاهد مفادها أننا مع الثورات الرافضة للظلم والأنظمة المستبدة في المنطقة, ولكن في حقيقة الأمر أن ثورة البحرين تختلف , فمعروف للجميع أنها طائفية - رغم بعض المظالم التي تقع على الشعب البحريني من قبل النظام - قام بهذه الثورة شيعة البحرين , وليست ثورة رافضة للظلم كثورة مصر أو تونس أو ليبيا أو اليمن أو سوريا, وهذا ما يشعرنا بخطورة الحرب التي نراها على الدين في مصر ومذهبها السني , فضلا عن التوترات العشوائية والاضطرابات التي ملأت صفوف التيارات الإسلامية , وكذلك التصرفات غير المسئولة من قبل بعض المحسوبين على التيار الديني من تصريحات غير مقبولة وقيام بعض رموز الإسلاميين بإعلانهم الرغبة في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية , وحكومة تصريف الأعمال والمتعلقة بالموقف الغامض من محاسبة بعض رموز النظام السابق , ومن بعض الناس الذين يسعون لفرض حالة من الفوضى . غير أن المشهد المصري برمته أراه طبيعيا بعد قيام الثورة إذا ما نظرنا لدولة بحجم مصر ومكانتها في المنطقة , فالكل يريد أن يتكلم ويعبر عن نفسه , والكل يريد أن يغير بشكل سريع بما يتفق معه , والكل يريد أن يفرض نفسه على واقع الحياة والمشهد المصري , بالإضافة إلى المطامع الخارجية التي تريد فرض أجندتها على مصر بشكل خبيث ولكنه مفضوح , وهناك البعض من فلول النظام السابق يريد أن يفرض الفوضى ليظل يتمتع بالنفوذ والمحسوبية والسرقة والسلطة التي كان يتمتع بها في زمن النظام البائد . فإذا سلمنا بأن كل ما سبق أمر واقع وطبيعي لا يمكن إنكاره , فإن الخطورة تكمن في جهل المسئولين في كل المواقع والمؤسسات بكيفية التعامل مع هذه المتغيرات , إذ لابد ابتداءَ من قبول الآخر على هيئته كما هو , وقد تقوم مصر ببناء علاقات قوية مع إيران ولسنا ضد هذا, ولابد من العمل على النهوض بالأمة , وإعادة الأمن إلى الشارع المصري , ولو اضطرت وزارة الداخلية إلى عمل لجان شعبية لمرحلة محدودة من الزمن تقوم بمساعدة الشرطة في حفظ الأمن في البلاد , والدعوة إلى العمل على وأد الفتن وتخطي الخلافات في هذه المرحلة , وفرض حالة من الجدية في التعامل لمصلحة الوطن ومقدراته , وسحب البساط من تحت أقدام الطائفيين والمخربين وأذناب النظام السابق , وربما تأتي هذه المحنة بخير , حيث أن المراجعات الداخلية في التيارات الإسلامية قد تفرز الطيب من الرديء , وتبين الصادق من الكاذب , وينسحب ذلك على كل المؤسسات , إذا لا يمكن أن يكون مخلصا لهذا الوطن من يعمل على تخريبه وتدميره بأي وسيلة , ولابد أن نبرأ جميعا من المصالح الشخصية ونسعى إلى تحقيق الهدف العام الذي يجمع الناس حوله وهو النهوض بهذا البلد , وإلا فإننا نحتاج إلى حجاج جديد , لا ليسفك الدماء , وإنما ليستنهض الهمم , ويضرب مؤخرة الكسالى والمنافقين والمخربين.
 أحمد المنسي Almansi9@hotmail.com