كأحداث كثيرة تقع في مصر يندلع لهيبها من دون سبب معلن ولكنه غالبا يكون معروفا ، اندلعت مشكلة نقابة الصحافيين مع وزارة الداخلية ، فقد ادعت النقابة أن رجال الداخلية اقتحموا " حرم " النقابة وهو أمر إدا ، وردت الداخلية بأنها لم تقتحم إنما ذهب شرطيون من منسوبيها للقبض على مطلوبين للعدالة  احتميا بالنقابة ـ طبعا بعلم مجلس إدارتها ـ احدهما ليس بصحافي أصلا ولا يمت بصلة للمهنة . حمي وطيس المعركة بالطريقة التقليدية المعروفة في وسط البلد في القاهرة ، وهي التجميع والحشد ورفع الأصوات بالهتافات المسجوعة ، وجاء المناضلون  الطافون على سطح   مصر من كل حدب وصوب ، يحذرون وينذرون ويحملون السيسي المسؤولية ، و كتب اعضاء مجلس النقابة بيانهم وضمنوه مطالب ليس أقلها إقالة الوزير و اعتذار الرئيس وكلام كبير من إياه وتهديدات أعظم ، وحتى كتابة هذا المقال لم تكن الحرب قد وضعت أوزارها ، فلم يستقل الوزير ولم يعتذر الرئيس ، وكل ما فعله الملتزمون بقرارات اجتماع النقابة نشر صور نيجتف لوزير الداخلية ، وكثيرون لم يلتزموا وأعلنوا خروجهم على هذه القرارت بل منهم من طالب علنا بعدم تسيس النقابة  مثل رئيس تحرير الأهرام في مقاله في العدد الصادر يوم الخميس ، وكثيرون آخرون أنتقدوا أداء مجلس النقابة وجلهم من شيوخ المهنة وكبارئها .
ولعل هذه الواقعة تثير أسئلة عدة عن النقابة  ودورها وعملها ، فهذه النقابة برغم علو صوتها ، هي الوحيدة التي لا دخل حقيقيا لها تخدم به أعضاءها ، إنما تعتمد في حياتها على الملايين التي تقدمها لها الدولة ، والتي تقدمها بدورها لإعضائها ، بما يساوي 1200 جنيه شهريا لكل عضو ، وبدلا من أن تبحث عن مصادر دخل حقيقية تساعد بها في خدمة أعضائها ، اتخذت طريقا آخر فضلته على العمل النقابي ، وهو استقطاب الراغبين في التجمع والتظاهر على درجها ، بادعاء أنها قلعة الحريات ، والقول بأنها قلعة الحريات صحيح في جانب منه ، إذ أن الصحافيين هم الذين يدافعون عن الحريات في صحفهم من خلال  تقاريرهم وتحقيقاتهم ومقالاتهم وغيرذلك من أدوات صحفية ، وليس في مبنى النقابة ، وإلا اعتبرناها حزبا ، وهي ليست كذلك .
الأمر الآخر أن هذه النقابة تمارس ظلما وتجبرا واستكبارا على مئات الصحافيين المصريين الذين يعملون في صحف أخرى خارج مصر ، وتنطبق عليهم الشروط  جميعها التي يحددها قانون النقابة ما عدا شرط العمل داخل صحيفة مصرية ، ولذا فهي تحرمهم من حقهم الطبيعي في جمعهم ببقية أهل المهنة في بلدهم .
وفي الوقت الذي تحرم فيه مئات الصحافيين المصريين العاملين في الخارج نجد أنها وفق قول أحد أعضائها وهو نصر القفاص في برنامجه " البرلمان " على فضائية "اون تي في " قد ضمت أكثر من أربعمائة ناشط سياسي من نشطاء يناير المنتمين للتيار المسيطر على النقابة حاليا ، وهم لا ينتمون للمهنة من قريب أو بعيد ، وقبل ذلك ضمت في عهد الإخوان مائة وخمسين إخوانيا ليصبحوا أعضاء في النقابة ، بينما الصحفي الحقيقي مستبعد منها .
لقد كان الأجدى والأجدر بالنقابة أن تجد حلولا لمشاكل أبناء المهنة بدلا من الاستعلاء والاستكبار ، و افتعال مشاكل مع الدولة ، افضت إلى ما أفضت إليه  من تشويه  النظام وهم يدركون في قرارة أنفسهم أن الدائرة الجهنمية تتربص بمصر وما فيها .