كنت من الذين احتفوا بالأخبار التي تناثرت حول ترشيح الدكتور محمد البرادعي لرئاسة الجمهورية‏,‏ كما احتفيت بالكوكبة من الأسماء التي تناثرت معه وفي التوقيت نفسه مثل الدكتور أحمد زويل صاحب نوبل في الكيمياء‏,‏ والسيد عمرو موسي الأمين العام لجامعة الدول العربية الذي صرح آنذاك بأن الرسالة‏,‏ أو النداء‏,‏ قد وصلته من الجماهير المصرية‏.‏ وكان مصدر الاحتفاء هو أن هذه الشخصيات المصرية المرموقة سوف تقدم كثيرا من الغني الفكري والسياسي خلال فترة المنافسة علي المنصب الرفيع لرئيس الجمهورية‏,‏ وهي في كل الأحوال حققت لمصر الكثير من السمعة الدولية من خلال الدور الذي لعبته في خدمة الإنسانية أو المنطقة العربية‏.‏

وأعترف أنه كان في ذهني دائما أن مرشح الحزب الوطني الديمقراطي يستحق منافسين من ذوي القامة حتي يكون ما حققه‏,‏ وما لم يحققه‏,‏ جزءا من نقاش وحوار راق يأخذ بيد مصر خلال العقد المقبل الذي أظن أنه سوف يكون عقدا فاصلا في التاريخ المصري‏,‏ يدور حول تحقيق أمنيات المصريين في بلد عصري ومتقدم‏.‏ وإذا كان السيد عمرو موسي قد أعلن أن الرسالة وصلته من الجماهير المصرية‏,‏ وما زلنا في انتظار رده علي الرسالة‏,‏ فإنه يبدو أن الجماهير نفسها‏,‏ أو جماهير أخري‏,‏ قد أرسلت ذات الرسالة إلي الدكتور محمد البرادعي الذي قرر الرد عليها برسالة أخري حدد فيها إطارا عاما لعملية دخوله إلي حلبة المنافسة الكبري‏.‏

وفي البداية فإن رجلنا هو ابن الدبلوماسية المصرية وأحد الذين أخرجتهم لكي يعملوا بامتياز في ساحة العمل الدولي‏,‏ كما أنه الرجل الذي حصل علي جائزة نوبل للسلام الرفيعة‏,‏ التي لا تمنح إلا لهؤلاء الذين أسهموا في تقدم الإنسانية‏,‏ والعمل من أجل السلام العالمي‏,‏ ولن ننسي أن الرئيس حسني مبارك قد منحه قلادة النيل العظمي التي لا تمنح إلا للملوك والرؤساء ومن قدموا للعالم خدمات جليلة‏.‏ ولكل هذه الأسباب‏,‏ فإن ما جاء في رسالة الرجل للآراء والأصوات التي دعته إلي التقدم للترشيح في انتخابات الرئاسة المصرية القادمة‏,‏ يتطلب أن يؤخذ بالجدية نفسها التي طرح بها موضوعه‏.‏

وبصراحة فإننا هنا لا نتعامل مع شخصية عادية يمكن أن يؤخذ كلامها حبا في الشهرة‏,‏ فقد حصل علي الكثير منها‏,‏ أو نفاقا لجماهير وجماعات‏,‏ فقد كان عليه في تجربته في الوكالة الدولية للطاقة النووية أن يتعامل بكرامة واعتزاز بالنفس مع قوي عظمي وكبري‏,‏ ومسلحة بالأسلحة النووية‏,‏ أو أنها في الطريق إليها‏.‏

الجدية التي تليق بصاحبنا هنا تبدأ بالمصارحة معه أن سبعة وعشرين عاما من البعد عن مصر تحتاج منه أن يلتقط أنفاسه قليلا بعد تجربة عريضة في منظمة دولية مهما كانت مرموقة‏,‏ فإن هناك فارقا كبيرا بينها وبين دولة وأمة ومجتمع يلخصها عنوان عريض في التاريخ اسمه مصر‏.‏ وأخشي ما أخشاه أن يكون صاحب التجربة العريضة في الخارج قد اعتمد في إطاره العام علي مجموعة الآراء والأصوات التي أتته من خلال ضجيج ذائع في مصر ساهم فيه انفجار في تكنولوجيا المعلومات‏,‏ مع درجة غير مسبوقة من الحرية السياسية‏.‏

ولكن وراء هذه الضوضاء فإن مصر لم تكن فراغا سياسيا أو اقتصاديا واجتماعيا خلال السبعة وعشرين عاما الماضية وإنما جرت فيها تغيرات عظمي ليس أقلها أن عدد سكان مصر قد أصبحوا الآن ثمانين مليون نسمة بعد أن كانوا أربعين في مطلع الثمانينيات‏.‏

هذا التغير الديمغرافي يطول الحديث فيه‏,‏ وما حدث له كما ونوعا‏,‏ وسواء كان ذلك اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا أو حتي جغرافيا‏,‏ أعمق بكثير مما يبدو علي السطح‏,‏ ولا تصح معه الأحكام المتعجلة أو سابقة التجهيز علي مقاس‏'‏ آراء وأصوات‏'‏ اعتدنا عليها كثيرا داخل الساحة المصرية‏,‏ وبقي أن يتعود عليها أيضا الدكتور البرادعي ويعطيها ما تستحقه من حجم ومكانة‏.‏ وحينما تصبح كل الأمور في أحجامها الطبيعية فإن كثيرا من القضايا التي أثارها صاحبنا في كلمته العامة ربما تحتاج إلي تعامل أكثر جدية مما تعامل معه الدكتور البرادعي حتي الآن‏.‏

علي سبيل المثال فإن رجلنا‏,‏ يقول‏,‏ وله كل الحق في ذلك أنه‏'‏ لا بد أن تجري العملية الانتخابية التشريعية والرئاسية علي غرار المعمول به في سائر الدول الديمقراطية المتقدمة منها والنامية‏',‏ ولكنه يعود فورا بعد ذلك لكي يطلب أمران متناقضان‏:‏ أولهما وجود لجنة قومية مستقلة ومحايدة تتولي تنظيم كافة الإجراءات الخاصة بالعملية الانتخابية لضمان نزاهتها‏.‏ وهذه اللجنة موجودة الآن بالفعل فيما يخص الانتخابات الرئاسية‏,‏ ومن الممكن تعزيز إمكاناتها وقدراتها خلال المرحلة المقبلة‏.‏ وثانيهما أن يكون هناك إشراف قضائي كامل علي العملية الانتخابية‏,‏

وهي مسألة تفسر في مصر علي أن يكون هناك قاض لكل صندوق‏.‏ مثل ذلك لا يوجد في الدول الديمقراطية المتقدمة والنامية التي طالبنا الدكتور البرادعي أن نعمل علي مثالها‏,‏ وطالما أنه سوف تكون هناك لجنة قومية مستقلة ومحايدة ومشرفة علي كل تفاصيل الانتخابات‏,‏ فما هي الحاجة لشل السلطة القضائية كلها ولفترة طويلة‏,‏ وجر القضاء كله إلي ساحة السياسة المفعمة بالأهواء والمصالح‏.‏

وللحق فإنه من المفهوم أن يطالب الدكتور البرادعي بوجود مراقبين دوليين‏,‏ وهي مسألة تستحق أن تدرس من جانب الحزب الوطني الديمقراطي من زاوية البحث عن صيغة للتوازن ما بين زيادة مصداقية العملية الانتخابية‏,‏ وعدم المساس بالسيادة المصرية‏.‏ ولكن‏,‏ وللحق أيضا‏,‏ فإن التحفظ علي الرقابة الدولية لم يكن قادما فقط من جانب الحزب الوطني الديمقراطي‏,‏ وإنما كان قادما أيضا من قوي وأحزاب سياسية كثيرة لم تر في مسألة الرقابة الدولية إلا تدخلا في الشئون الداخلية المصرية‏.‏

الجدية مع الدكتور البرادعي أيضا تستدعي دعوته لكي يكون هو الآخر علي استعداد لكي يأخذ مصر أيضا بالجدية التي تستحقها‏,‏ فما يطلبه منا صاحبنا أن نهدم الدستور والمؤسسات المصرية القائمة‏,‏ وتفصيل أوضاع جديدة تتيح له الترشيح لمقعد الرئاسة دون مشاركة منه في عملية الإصلاح والتغيير الواجبة والمطلوبة‏.‏

الأمر هكذا ليس مصريا علي الإطلاق‏,‏ فلا مصر فتاة تنتظر فتاها المخلص القادم علي حصان أبيض من فيينا‏,‏ ولا هي الدولة التي يجري فيها التغيير بجرة قلم‏,‏ أو بناء علي رغبة فرد حتي ولو كان حائزا علي جائزة نوبل‏.‏ وكل ذلك لا يمنعني من الاتفاق مع الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مصر تحتاج إلي تغييرات دستورية جوهرية‏,‏ ولكن هذه التغيرات ينبغي لها أن تأتي من خلال نقاش وحوار مصري عميق بين القوي السياسية المختلفة التي تعبر أيضا عن مصالح متنوعة وليس استنادا إلي إشارة من بعيد استدعتها‏'‏ آراء وأصوات‏'‏ قادمة من جماعات مصرية لا يوجد مقياس واحد يقول بأنها تمثل حقا الشعب المصري‏.‏

والحقيقة أن الدكتور البرادعي قد أدهشني كثيرا عندما قال‏:‏ كلنا متفقون علي ماهية مشاكلنا حيث كنت أظنه أكثر اقترابا من الواقع المصري مما ثبت في كلمته‏,‏ حيث إن الأصل في المجتمعات المختلفة أن يكون هناك تباين في النظر إلي مشاكل المجتمع‏,‏ أو في تقدير أهميتها‏,‏ وأولوياتها‏.‏ وعلي سبيل المثال فإن المشكلة السكانية تختلف فيها الرؤي المصرية‏,‏ والعلاقة بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية يجري عليها اختلافات جذرية‏,‏

وحتي الدولة المدنية العصرية الحديثة ـ والتي بالمناسبة اتفق فيها مع صاحبنا ـ لايوجد توافق كبير عليها‏.‏ وخلال التعديلات الدستورية الأخيرة دار نقاش عكس اختلافات واسعة حول المادة الثانية من الدستور‏,‏ وإلي أي حد يكون الاعتماد علي مبادئ الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع متوافقا مع فكرة الدولة المدنية‏.‏ وعندما طرح الإخوان المسلمون برنامجا سياسيا منذ فترة ليست بعيدة كان الأساس فيها العمل من أجل دولة دينية نقية يقودها جماعة من الفقهاء المسلمين الذين يقررون السياسات الشرعية للبلاد‏.‏

أن الآراء الواردة في رسالة الدكتور البرادعي تعكس إلي حد كبير طريقته في إدارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث حصل رجلنا والوكالة علي جائزة نوبل للسلام لسببين رئيسيين‏:‏ أولهما أنهما جعلا قضية منع انتشار الأسلحة النووية في المقدمة من أولويات السياسة العالمية‏,‏ وهي التي تمثل أخطارا علي استقرار النظام الدولي‏.‏ وثانيهما أن الوكالة ذاتها لم تعد واحدة من المنظمات الدولية التي لا يسمع بها أحد بل صارت لاعبا أساسيا‏,‏ وساحة مقبولة‏,‏ في عمليات التفاوض المعقدة للتعامل مع الانتشار النووي‏.‏

مثل هذا الإنجاز لم يكن قليلا‏,‏ ومع ذلك فقد عمل الدكتور البرادعي كمدير للوكالة‏,‏ لكنه تصرف في معظم الأحيان كمفتش‏,‏ مهمته أن يعرف‏,‏ وكانت المفاجأة طوال الوقت‏,‏ أن الوكالة لم تتمكن من أن تعرف‏,‏ فقد تم الكشف عن كل البرامج النووية السرية تقريبا‏,‏ بأساليب ليس من ضمنها مفتشو الوكالة‏.‏ وظهرت مرة أخري مشكلة المفتش في التقارير التي كان يتم تقديمها حول البرامج النووية‏,‏ لذا كانت تقارير التفتيش عادة ما لا تجزم بوجود مشكلة ما‏,‏

كما أنها لا تجزم بعدم وجود تلك المشكلة‏,‏ كما وضح في حالة إيران‏,‏ فلو قيل إن لديها برنامجا نوويا عسكريا ستتدمر طهران‏,‏ ولو قيل إنه ليس لديها ذلك‏,‏ ستتدمر الوكالة‏!.‏ وكان ثمن المعضلة وضع أسماء دول عربية ضمن طائفة الدول التي يناقش سلوكها النووي‏,‏ كسوريا ومصر‏,‏ برغم أنه كان يمكنه حسم المسألة مبكرا‏.‏

وللحق فإن البرادعي انتقد نفسه‏,‏ بأنه لم يصرخ بأعلي صوته عام‏2003,‏ ليقول إنه ليس لدي العراق برامج نووية سرية‏.‏ وللحق أيضا فإن الاستغراق في دور المفتش كان واحدة من النقاط التي أثارها يوكيا أمانو مدير الوكالة الجديد حين قال أن البرادعي حول الوكالة إلي العمل في مجال منع الانتشار النووي‏,‏ بأكثر مما عملت في مجال تسهيل الاستخدامات السلمية للطاقة النووية‏,‏ وهي المهمة الأصلية لها‏.‏ كما أن الاستغراق في دور المفتش أدي إلي إفلات المواقف أحيانا‏,‏

فالرغبة في التفتيش علي منشآت إسرائيل النووية‏,‏ دون حسابات كافية‏,‏ قادت في النهاية إلي قيامه بما سمي مهمة تفقد لمفاعل دايمونا من أعلي‏,‏ من طائرة‏,‏ قبل أن تنحرف المسألة كلها في اتجاه أن تطرح إسرائيل أفكارا‏,‏ بأنها عضو نشط في الوكالة‏,‏ وأنها تريد الاعتراف بها كدولة أمر واقع نووية أي مماثلة للهند وباكستان‏.‏

وفي حقل السياسة الخارجية الذي لم يمسه الدكتور البرادعي في رده علي الأصوات التي نادته‏,‏ هناك اختلاف بين منطق الوكالة ومنطق الدولة‏,‏ وهذه المشكلة واجهها مرشح‏'‏ محتمل آخر‏'‏ هو السيد عمرو موسي‏,‏ لكن بشكل عكسي‏,‏ عندما انتقل للعمل من وزارة خارجية الدولة المصرية‏,‏ إلي أمانة جامعة الدول العربية‏,‏ عندما ذكره أحد الوزراء العرب حينها بأنه لم يعد وزيرا لمصر‏,‏ ولن يحتاج الدكتور محمد البرادعي لمن يذكره بأنه لم يعد مديرا للوكالة‏,‏ إلا أن هذا الميراث سيظل معه‏,‏

ومع كل ذلك أسئلة‏:‏ ماذا سيفعل الدكتور البرادعي مع إيران‏,‏ فقد وضح في الفترة الماضية أن لديه نوايا حسنة بشأنها‏,‏ وربما يكون ذلك صحيحا بشأن علاقاتها بالوكالة‏,‏ لكن ليس صحيحا بشأن علاقاتها مع مصر‏,‏ والأهم أن ذلك لم يكن صحيحا بشأن علاقاتها بالوكالة‏,‏ حتي ففي نهاية المطاف‏,‏ وقبل أن تنتهي مدته بأيام قال الدكتور البرادعي‏,‏ أن التفاهم معها وصل إلي طريق مسدود‏.‏

والسؤال الأهم ماذا سيفعل مع إسرائيل‏,‏ فلديه تصور لإقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية يختلف عن التصور الذي تجاهد مصر من أجله‏,‏ وربما دون أن يقصد أدت تفاعلات الدكتور البرادعي النووية معها‏,‏ إلي إظهارها كدولة أمر واقع نووية طبيعية‏,‏ وبدأت إسرائيل تطالب بحل مشكلة مايسمي‏P-3,‏ أي الدول النووية الثلاث التي توجد خارج معاهدة منع الانتشار‏,‏ وهي الهند وباكستان وإسرائيل‏,‏ وبالمناسبة فإن المدير العام الحالي للوكالة يوكيا أمانو‏,‏ قال خلال زيارة له إلي مصر‏,‏ إن هذا الأمر لن يمر إلا علي جثته‏.‏

ولكن قضيتنا هنا أن منهج البرادعي يترك كل الملفات مفتوحة تقريبا‏,‏ بدون تقدم‏,‏ وبدون تدهور‏,‏ فهل كان بإمكانه أن يفعل أكثر مما فعل أم لا‏,‏ وهل كان قادرا علي حسم المسألة الإيرانية‏,‏ أو التحذير من تفاقم المسألة الكورية‏,‏ أو وضع حدود لاحتمالات شيوع‏'‏ النموذج الهندي‏',‏ أو مساندة البرامج النووية المدنية‏,‏ وهل كان بإمكانه أن يحسن عمل الوكالة بحيث تكون قادرة علي اكتشاف النشاطات النووية السرية‏,‏ أو جعل تقديراتها أكثر دقة‏,‏ والإجابة هنا هي أن أحدا لا يعرف‏.‏ ولكن الخوف الأساسي أن يكون ما كان نجاحا في الوكالة استنادا علي نشر فكرة منع الانتشار النووي لا يكفي في الحالة المصرية‏.‏

فالقول بأننا نحتاج دولة مدنية عصرية تقوم علي الحداثة والاعتدال والحكم الرشيد هو الحلم المصري منذ عهد محمد علي‏,‏ ولكن المسألة أنه بعد قرنين من الزمان أو أكثر فإن إعادة تكرار الحلم والحديث عنه بعبارات بليغة لا يضيف كثيرا لما نعرفه‏,‏ ولا يعطي رواجا للفكرة مثلما حدث مع موضوع مواجهة الانتشار النووي‏.‏ فما تحتاجه مصر هو الكيفية التي تتعامل بها الدولة مع المعضلات والتحديات الكبري التي وقفت في مواجهة تحقيق هذا الحلم‏,‏ وجعلت الاقتراب منه يجري علي شكل خطوة بعد خطوة‏,‏ وليس علي شكل قفزات سريعة كما فعلت أمم أخري‏.‏

ومن ليبرالي إلي ليبرالي آخر فإنه لا يجوز في كل المناهج الليبرالية أن يفرض مرشحا شروطه مسبقا علي اللعبة السياسية‏,‏ ففضلا عن أن ذلك يمثل نوعا من التعالي غير المحمود‏,‏ فإنه يتجاهل جدلا كبيرا يجري في مصر حول طبيعة النظام السياسي المرغوب‏.‏ والسؤال الكبير في هذا الجدل هو كيفية الانتقال بمصر نحو أرقي صور الديمقراطية‏,‏ ومن الممكن للدكتور البرادعي مع آخرين الإسهام في الإجابة علي هذا السؤال‏.‏ فالوصول للصورة المرغوبة هو نتيجة جدال سياسي وكفاح لا يجري في مواجهة السلطة السياسية‏,‏ وإنما يدور مع قوي كثيرة في مجتمعنا تريد صورا أخري‏,‏ لكن أخانا يريد الناس أن تكافح بالنيابة عنه لتعطيه الرئاسة علي طبق من فضة‏.‏

لقد اقترب وقت الجد‏,‏ ولم يعد ممكنا أن تكون السياسة ألفاظا وكلمات أو حوارا مع أصوات تأتي من علي الفضاء الافتراضي‏,‏ أو حتي من علي سلالم النقابات‏,‏ كما أنها ليست عملية تفتيش علي وطن يكافح أبناءه من أجل حياة أرقي‏,‏ ولكنها ممارسة من خلال المؤسسات القائمة حتي يتم الاتفاق علي تغييرها‏.‏ ومن الممكن أن يشكل الدكتور البرادعي إضافة للحوار المصري الدائر شرط أن يعود واحدا منا ـ مع الإجلال والتوقير اللازم لمصري حاصل علي جائزة نوبل وقلادة النيل ـ ولكن عليه أولا أن يعرف أن المصريين يستمعون ويتحاورون‏,‏ ولكنهم لا يأخذون دروسا من أحد‏;‏ كما يعرف ثانيا أن هناك فارقا كبيرا بين مصر ـ الدولة والشعب والمجتمع والتاريخ ـ والوكالة‏!!.‏