وقف ذو الأربعة عشر عامًا بين أقرانه زملاء المدرسة والسن على ناصية الشارع العام كما أعتادوا نهاية كل يوم دراسي، يتحاكون بصوتٍ عالٍ وحركات جسد عنيفه نسبيًا يصفها الآباء والأمهات دائمًا بأنها أسلوب الهزار المعتاد للفتيان خاصة فى هذه السن، المشهد من بعيد يعطيك احساس بأن هنالك سجال واستعراض رجوله بصورتها الذهنية المستقره لدي هؤلاء الأطفال - عفوًا أقصد الفتيه- ولما لا فهذا العمر يمكن أن نعتبره بداية الجسر الذى يعبر بالولد من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة، بل أن سلامة هذا الجسر وصلاحه يمكن أن نزعم أن له الدور الهام فى تشكيل هذا الرجل واستقرار سماته التى سنعرفه ونقيمه بعدما يصبح ناضجًا وراشدًا وبالغًا .

فجأة تقاطر مع هذا المشهد مرور فتاة تعدت الخامسة والعشرين بقليل من خلف هذا الجمع وحدث صمت لدي الجميع لم يتعد ثوانِ لكن نظرات كل واحد منهم لن تكفى هذه السطور أن تحكي ما جال بها من معانِ وروايات . وكسر هذا الحاجز أحد هؤلاء الفتية الذى أيقن ضرورة ألا يخسر السبق فى إثبات رجولته  أمام أقرانه فتحرك خلفها وسط متابعة الباقين المترقبين الحاسدين وأنهال عليها بعبارات جنسية لا ادري إن كان يعرف معناها أم لا لكنى موقن بأنه يعلم أنها العبارات المُتسقة مع الصورة الذهنية لديه فى مثل هذه المواقف، ولكن للأسف يبدو أنه لم ينجح !!! فلم تلتف له الفتاه او تبتسم كما كان يظن والتى كانت تسير وكأن شيئا لم يحدث !! وأصبحت فرصته فى اثبات رجولته أمام أصحابة طامه ومصيبة سوف يتحاكون ويزلونه بها بعد إنتهاء التجربة لذا قرر أن ينتقل إلى المرحلة التالية ....واقترب منها بشكل كبير وقام بلمس جسدها من الخلف وبشكل خاطف وسط تهليل أقرانه والهتاف له فقد نجح - بالرغم أن الفتاة لم تعطِ انطباعًا بأن شيئا حدث لها أيضًا !! – وهكذا سيظل هذا الفتى و لفترة طويلة " برنس الشلة " لذا تهللت أساريره وعلت قامته إلى عنان السماء فقد حقق ما هو أهم من شهادة الإعدادية أو حتى الثانوية العامة التى لم يقترب من أبواب مدرستها بعد .

 ووسط هذا الإنتشاء حدثت الكارثة التى لم يكن يتوقعها، حيث تصادف مرور رجلًا كبير السن لم يتقبل ما حدث وأمسك بالفتي فى مشهد يُحكى أن أخر رؤية لمثيله قد تم تسجيلها على بعض المعابد الفرعونية من عهد الأسرة الرابعة، فى هذه اللحظة اختفى أصحابة من المشهد بسرعة البرق، وتشجع بعض أصحاب المحلات واللذين كانوا يتابعون المشهد قبلها وكأنهم يتفرجون على مسلسل تركي عاطفى؛ البعض كان متعاطف مع مهند وآخرون مع نور، وتجمع الجميع على الفتي وانهالوا عليه سبًا وشتمًا وبعض الضرب وتنبهت وقتها الفتاه لما يحدث خلفها بعد أن كانت تتجاهل قهرًا الجزء الأول منه والتفتت وتقدمت نحو الفتي الممسوك بين الأيادي وكانت كل خطوة تخطوها تحمل ألم حالات التحرش التى تعرضت لها منذ عمر نزولها الشارع بمفردها ، وبرغم أن قوة خبطات أقدامها على الأرض وهي مُتجهه نحوه كانت تعبر عن رغبتها فى الوصول اليه بأقصى سرعة، إلا أن داخلها كان يتمني أن تطول المسافة أميالًا لتستجمع فى كل خطوة تخطوها قوة ترد بها اعتبارها وترد على احساس القهر والضعف والخوف الذى دفنته واُجبرت على عدم البوح به، وما أن وصلت اليه حتى رفعت يدها إلى الأعلى وصفعته على وجهه  صفعة رد الإعتبار والكرامة ولكن يدها الاخري كانت ممسكة بحقيبتها المليئة بالإعتذار لطفولته ورجولة المستقبل المفقودة .

بعدها نصب المتجمهرون محاكمهم الخاصة ؛ البعض قرر الإكتفاء بما حدث للفتي من ضرب وإهانه خاصة وأن الفتاة نالت حقها منه، ولكن هذه المحكمة لم تعجب البقية فأصدرت محكمة أخري قرارًأ باستدعاء الشرطة وتحرير محضرًا له إلا أن المتجمهرين انقسموا فيما بينهم؛ فأصحاب المحكمة الأولى خشوا أن يضيع مستقبل هذا الفتي، والبعض الآخر لم يروا فى تحرير المحضر ردعًا  لهذا الفتي، فغالبًا ما سيتم تسوية الأمر داخل قسم الشرطة وحتى ولو أُحيل إلى القضاء، فالقانون هزيل وضعيف أمام هذه الأفعال. وهنا تدخل الرجل المسن وأخبرهم بأن هذه المشكلة ترجع إلى تربية الأُسر لأبنائهم وأننا إن أردنا أن نُعاقب أحدًا فيجب ان يُعاقب الفتى وأسرته بسبب عدم تربيتهم له بالشكل الصحيح، لذا أصدر حكمه وكان الحكم النهائي - ولما لا فهو صاحب المبادرة النادرة - وبالفعل جاء الحُكم بأن يتم ربط الفتى بإحدي الأشجار بالشارع واستدعاء أسرته لإستلامه وتوبيخهم  بعد أن أخذوا رقم هاتفهم من الفتى ليكونوا جميعًا عبره لمن يعتبر.

هنا انتهت عناصر الخبر الذى نشرته احدي الصحف عن هذه الواقعة منذ شهر تقريبًا، ولكن استوقفنى التفكير فيها كثيرًا حتى كتابة هذه السطور، فهل سبب انتشار هذه الظاهرة فى مصر ووضعنا فى المرتبة الثانية عالميًا يرجع إلى ضعف القانون الرادع، وهو كذلك بالفعل ؟ حيث لا يوجد حتى الآن قانون خاص بالتحرش في مصر، لكن توجد مواد في قانون العقوبات تعاقب المتحرشين جسديا بعقوبات غير رادعة، فضلا عن عدم احتوائها لعقوبات على المتحرشين لفظيا، او تشديد فى حالات التحرش الجماعي وما اكثره فى ايامنا هذه ، أم ترجع هذه الظاهرة إلى فشل التربية وعدم قدرة الآباء والأمهات على تتبع وتقويم أبنائهم، وبشكل أشمل عدم قدرة الدولة على تقويم مواطنيها أخلاقيًا سواء إعلاميًا أو تعليميًا ؟ هل سلبية المجتمع ، بما فيهم الضحايا، وتقبلهم أو صمتهم تجاه تلك المشاهد اليومية والمتكررة هو السبب ؟ هل افتقادنا لقيم القدوة الحسنة ووجود صورة ذهنية صِحَية وسليمة عن الرجولة هى السبب ؟ هل الغريزة الجنسية عند الرجل وطبيعتها الخاصة هى السبب ؟ أسئلة  وأسباب كثيرة قد تكون بعضها أو جميعها هي السبب. وفى خضم هذه التساؤلات سمعت مواء قطى الشقى "فلافي" وقطتى الدلوعة "برواني" وهما يلعبان ويجريان من حولى، وفجأة سألت نفسي لماذا لا يتحرش فلافى ببراوني ؟!