مر من هنا!!

ثمان عشر شابا وشابه تجاوزوا سن العشرين بقليل .... بعضهم كان دائما ممسكا بقلمه اينما ذهب يغمسه فى وجدانه ويخرج منه شعرا وقصصا تحمل أللام العاشقين وتفاؤل المحبطين...،واصوات اخري تجسدت فى صورة بشر تكتب وتدندن باصوات مثل اصواتنا ولكنها تبوح بكل ما اعتدنا كتمانه ...،واخرون تحولت اناملهم الى فرشاة رسم مبدعه ترسم كل ما تراه عيونهم وما ابدعها....،والبعض الاخر لم تكن لتميز لون عينيه بسهوله فعدسات الكاميرا دائما ما تحول دون ذلك وعندما ترى لقطاتهم وصورهم تدرك تماما بان للعيون الوان والوان لا تري بالعين .. وكان من بينهم فلقد مر من هنا!!

خط القلم ودندن بلحن العنفوان والامل واطلقت الفرشاة له العنان بفضاء لا تضاهيه اي سماء والتقطته الكاميرا طائراً شابا قويا يضرب بجناحيه العواصف من الرياح ناظرا للامام رسولا للحرية ..وكان من بينهم فلقد مر من هنا!!

كنا نتحاور ونتجاذب طوال ايام التدريب والذى اخترنا له مكانا هادئا بالفيوم لننعزل عن صخب القاهرة وننغمس فى صخب طموحاتنا وهدير الحياة ، حمل كلا منهم هموم وطن وطموح حياة ، ادرك كلا منهم ان له فى الوطن نصيب ورساله ، وغزلت الهموم والطموح ثوبا للجميع وادركوا انه لن يكن دافئا او ساتر الا اذا نسجوه سويا .... وكان من بينهم فلقد مر من هنا!!

جلسوا كثيرا سويا وطوعيا بعد ساعات التدريب الطويله زمنيا مبرهنين لى ولهم ان طول الزمن والملل منه امر نسبي وان له وحدة قياس تختلف عن الدقائق والساعات ، تشاركنا لحظات كثيرة رائعة ، جلست معهم فى ممرات الغرف بالفندق الذى كنا نقيم به واخذوا انفسهم واخذونى معهم لسن الطفوله ولعبنا سويا العاب خجلت من خجلى فى ان العبها بسبب حاجز السن ، لعبنا فى الماء مثل الاطفال وعرفت ان الطفوله هى انسانيتي الحقيقية والتى يكبتها عبث الرجوله والكبر ، رقصنا وهللنا بالشوارع بعد فوز مصر فى مبارة كرة قدم والتففنا حول علم مصر وعرفت معهم ان اليأس من حالها لم يكن الا خوفا عليها ومغازله لها ... وكان من بينهم فلقد مر من هنا !!

عشت معهم وفيهم تجربة رائعة تجسدت فى حفل كبير شاركوا فيه باعمال فنيه متنوعة لوحات واغاني وافلام قصيرة وغيرها حاولوا من خلالها ترجمه هذه الايام الخمس التى تحاورنا فيها وتدربنا وطورنا افكارا اخذت بضعة شهور بعدها  لتخرج فى هذا الحفل اعلانا عن ميلاد رسل الحرية من مصر وبلدان عربيتين اخريتين هما الاردن ولبنان ولم يحتاج هؤلاء الرسل من البلدان الثلاث الا نصف يوم لتدوم علاقاتهم حتى اليوم ... وكان من بينهم فلقد مر من هنا!!

على مدار ستة سنوات تابعت احوالهم من بعيد وكانت تعليقاتهم ومواقفهم المدونة على الفيسبوك بابا رئيسيا لذلك ، لم اكن ارغب فى التشويش على ضربات اجنحتهم فى السماء ولكن عندما كنت اظن انها وهنت او يأست كنت اشتبك معهم فى بعض الحديث ، كان اخرها معه عندما شعرت انه يأس مما ال اليه حالنا بعد سنوات ثلاث من الاحباطات والامل الذان امتزجا بشكل جعلنا جميعا نتخبط فى خطواتنا، ولكن سرعان ما كنت ادرك اننى مخطئ فهذا الطائر كتب عليه مناورة العواصف والرياح وانه دائما ما يجد طريقا بديلا لا يبعده عن غايته المنشودة ، فوجدته مبتسما وسط اطفال كنا نظن ان بؤسهم بدد هذه الابتسامات ، ولكنه استطاع ان يخرج هذه الابتسامه العذبه على وجه طفل شاخت ملامحه من بؤسه ، ووجدته حاملا على جناحيه الواهنين شكلا والجسورين واقعيا بطاطين يملائها الدفئ فقد اكتست بدفئ انسانيته قبل دفئ الصوف ... انه هو ولقد مر من هنا !!

كان لى قطه منذ زمن استطاعت ان تحول نفوري من القطط الى عشق يندر ان تصادفه فى حياتك ، ولكن لكل قصه نهاية حزينه ففارقتني وفارقت الحياة ، وقد اصرت الا تعذبني بجسدها الصامت عن الحياة وذهبت بعيدا بعيدا عن منزلى قبل ان تودعني للابد ، وعندما طلب مني طفليي كلب صغير ليربيانه بالمنزل وجدته يعلن على صفحته بالفيسبوك صورا لبضعه قطط حديثي الولادة للتبني ملكا لاحدى صديقاته وكان من بين القطط الثمان قطة تشبه تماما قطتي الذى تركتني منذ زمن، ارتجفت ولكن دون تردد قررت استبدال رغبتهم بهذه القطة وراسلته بانني ارغب فى الحصول على هذه القطة فى الوقت الذى ظهر امامي ان هناك العشرات ممن يطلبونها ولكنه رد على مباشرة واخبرني بانها لى واعطاني تليفون صاحبة هذه القطط وعندما هاتفتها اخبرتني بانه اصر فى ان احصل عليها وانها موافقه ، وعندما ذهبت لاخذها اعطتني معها قطا اخر شقيقا لها واصبحا اثنتان ... انه هو ولقد مر من هنا !!

كنت امر بايام ضغط فى العمل ومررت على خبر فقدان بعض السائحين المصريين بكاترين مرورا سريعا رافضا ان تزيد تفاصيله من سوء حالتى النفسية ،ولكن هذا الخبر كان يطاردني وشيئ ما بداخلي يرفض ويصر فى ذات الوقت فى ان اطلع على تفاصيله ، فى النهاية استسلمت لقراءته وعندما بدأت اراجع اسماء المفقودين مررت عليها باحثا عن اسماء اثنين من الاصدقاء اعتادا هذه الرحلات ولكن لم اجدهما ، وبالرغم من ذلك كلما رايت تفاصيل هذا الخبر الذى استمر فى مطاردتي كنت اقرأ الاسماء المرة تلو المرة ومر على اسمه ولم يأتى فى باللى لحظة انه هو فكيف لطائر ان يفقد طريقه وقد اعتاد كل المحن ... ولكن فجاءه ... ادركت انه هو وقد مر من هنا !!

ذهبت الى جنازته وكان المرور مزدحما وادركت انى لن اصل قبل الصلاة ولكن عندما وصلت فى لحظة اقامة الصلاة ظننت انه كان ينتظرني كما انتظر مئات المصلين عليه فلم يكن ليذهب قبل ان يودع كل من طار فى فضائهم ... انه هو وقد مر من هنا !!

لم اشاهد فيلم تخرجه " حواس " من قبل ولكن عندما شاهدته فى حفل تأبينه استوقفتني كلمة اهداء الفيلم  فقد خص بها "المرحومين والمحرومين " .... انه هو وقد مر من هنا !!

نعم قد يموت جسد الطائرولكن تظل ضربات جناحيه وهديله ترن فى وجداننا ، نعم قد اكبر فى السن ولكن تظل طفولتى هي اطهر ما في ، نعم قد يموت حلمي ولكنه يولد فى ذات اللحظة حلما جديدا لطفلا وليد ، نعم قد يموت جسد قطتي ولكن ها انا اراها من جديد ، نعم قد يكون هناك مرحومين ومحرومين ولكن ستجد دوما من يتذكرهم ومن يكسيهم بابتسامته وعطفه .... انه هو وقد مر من هنا.      

 

الى حياة محمد رمضان التى لم تذهب مع جسده

ايهاب سلام