كان ذلك منذ شهور قليلة، عندما عدت إلى مصر بعد أن أقمت بعيدا عنها أكثر من خمس سنوات.. توافد جمع منا إلى فندق شبرد لنحتفى بالإفراج عن قطبى جماعة الإخوان العزيزين د.عبدالمنعم أبوالفتوح ود.جمال حشمت (الذى عاد ضيفا على سجون النظام تحسبا لانتخابات الشورى).. ونحن خارجون، استوقفنى صوت عال يعنف أمين شرطة كان يستجدى بقشيشا من بعض من تجمعوا أمام باب الفندق..

ارتفع الصوت أكثر مطالبا الشرطى أن يحترم زيه العسكرى.. عندما اقتربت كان الوجه مألوفا وإن كنت قد شاهدته على شاشة التليفزيون مرة أو اثنتين.. رحت له أسأله كما يفعل العامة مع المشاهير: انت المهندس يحيى حسين؟.. هو بلحمه ودمه، الرجل الذى قال: لا لبيع مصر.. احتضنته.. ولما توزعنا للركوب مع من معهم سيارات منا، تصادف أن كان طريقى يتفق مع طريقه.. حذرنى كما يفعل الناس الطيبون أن سيارته «لا تليق بالمقام» وأنه ليس بها أى كماليات.. بالفعل كانت كذلك، بل إنه لم تكن بها بعض الضروريات أيضا، فلا مرايا جانبية، كما أن «التابلوه» أمامه كان مظلما، لذلك لم أتحقق إذا ما كان فيه عقرب يتحرك.. لم يكن هذا بغريب على سيارة موديل 1983 من تلك السيارات التى وزعت على ضباط الجيش بأقساط متهاودة..

كان يحيى حسين عبدالهادى واحدا منهم.. التحق بالكلية الفنية العسكرية وتخرج فيها ضابطا مهندسا بامتياز عام 1977.. بعد 15 سنة التحق بأول وظيفة مدنية فى معهد إعداد القادة الذى كان تابعا عندئذ لمجلس الوزراء، ومنها ترقى فى المناصب حتى عين عضوا منتدبا لشركة بنزايون عدس ريفولى التى كانت من أشهر متاجر مصر قبل أن تضم للقطاع العام.. بهذه الصفة عين فى 2005 عضوا فى اللجنة التى كانت مكلفة بتقييم شركة عمر أفندى تمهيدا لبيعها على وجه الاستعجال.. لذلك حدد للجنة 4 أسابيع حتى تنتهى من عملها فيها.

أظن أن الكل يعرف الآن بقية القصة.. خلاصتها على كل حال أن اللجنة قدرت للشركة ثمنا يبلغ نحو 1300 مليون جنيه، أى مليار و300 مليون، ولكنها بيعت فى النهاية بـ590 مليونا فقط على يد وزير الاستثمار محمود محيى الدين متعهد الخصخصة.. قبيل إتمام الصفقة تقدم يحيى حسين ببلاغ إلى الرقابة الإدارية فلم تحقق فى الأمر لأن فى الأمر وزيرا، فتقدم بالبلاغ إلى النائب لعام السابق يتهم المسئولين عن البيع بإهدار المال العام، وحفظ البلاغ هو الآخر بدعوى أن الجريمة لم تكن قد وقعت «وبالطبع فإنه لم يحرك حتى بعد أن وقعت»..

كما هو متوقع، بدأت وقتها متاعب صاحبنا ما بين دعاوى سب وقذف ضده وضغوط متفاوتة منها إقالته من عضوية مجالس إدارة 4 شركات وصناديق أخرى «وحرمانه بالتالى من ميزاتها العينية والمادية» حتى طلب هو بنفسه إنهاء إعارته من القطاع العام، فأعادوه إلى مركز إعداد القادة محاضرا، وإن كان ممنوعا من إلقاء المحاضرات!

عندما التقيته فى المركز أول مرة لم تكن بى حاجة إلى السؤال الذى عادة ما يطرحه الصحفيون المبتدئون عن «ما هو دافعك لاتخاذ هذا الموقف؟».. أعرف جيدا سطوة الضمير وصلابة المبدأ والرضا الذى يغمر المرء عندما ينطق بالحق لدى سلطان جائر.. مع ذلك انتبهت إلى لب الموضوع كله عندما تطلعت إلى القائم المعتاد الذى يوضع على مكاتب الموظفين حاملا الاسم والمنصب.. بدلا منه، وضع الرجل قولة سيدنا عمر بن الخطاب المأثورة «ماذا تقول لربك غدا؟».. يحيى حسين رجل سمح التدين، يعرف أنه سيلاقى ربه غدا، ويعرف أنه لن يسأل يومها عما فعله لآخرته فقط، وإنما عما فعله فى دنياه وما فعله لوطنه..

أول ما فعله بعد كارثة عمر أفندى أنه شكل جماعة انضم لها كثيرون فيما بعد باسم «لا لبيع مصر»، وأصبحنا نراه عضوا بارزا يتصدر اسمه معظم الجماعات الوطنية المستقلة، وإن كنت لا تراه فى مؤتمر إلا جالسا فى أواخر الصفوف.

فى مظاهرة الاثنين الماضى التى قادها النواب المستقلون لإعلان مطالب الشعب، وقفت إلى جانبه نطالع المتظاهرين المحاصرين بجنود وبلطجية الشرطة.. وسط الهتاف المدوى والكلمات النارية والتوتر المتصاعد مال على أذنى يسأل: تذكر ماذا قال شاعر تركيا العظيم ناظم حكمت؟.. قلت: أسمعنى: طوال الأيام الماضية ظللت أردد كأننى فى حلقة ذكر قول حكمت «إذا لم تحترق أنت، إذا لم أحترق أنا، إذا لم نحترق نحن، فمن أين يأتى الضياء؟».. لو لم تكن لدى يحيى حسين تلك الثقافة الواسعة وذلك الإيمان العميق لما كانت لديه كل تلك الصلابة وذلك الهدوء الربانى..

المكتبة فى بيته ملأى بكتب قرئت لم توضع على الرفوف للزينة.. بيت بسيط فى مساكن متوسطة للضباط فى مدينة نصر وليس قصرا فى «القطامية هايتس» كتلك القصور التى يملكها من باعوا مصر، لكنه بيت دافئ عامر بكرم الخلق وبسطة اليد، وعائلة صغيرة منحها الله راحة البال..

ليلة تقديمه لبلاغ النيابة العامة نادى زوجته.. دائما ما يقول إنها «سيدة صالحة تعيننى على طاعة الله».. نادى أولاده أيضا وأبلغهم أنه قرر ألا يكتم الشهادة، وأنه مقبل فى الغد على أمر قد يحرمهم مما ينعمون به من رفاه.. اذهب يا أبتاه، قالوا جميعا.. محمد خبير نظم المعلومات، وندا خريجة الاقتصاد، وآخر العنقود مريم الطالبة فى الثالثة إعدادى، والتى ربما كانت الأكثر حماسا.. لم يندم واحد منهم حتى اليوم، ولا ندم هو رغم أن أحدا لم يرد له اعتباره، حقه فى أن يقدم له اعتذار وحقه أن يقوم بعمل، بعد أن تفجرت فضيحة عمر أفندى.

حتى يغطى الحزب الحاكم على الفضيحة عقدت لجنة مشتركة فى مجلس الشعب برئاسة أحمد عز ومصطفى السعيد أوصت بتحرير الصفقة لأن «الدولة ستحصل بالإضافة لثمن البيع المباشر على عائد سنوى 122 مليون جنيه ما بين العائد على حصيلة البيع والضرائب على الدخل وعلى المبيعات بخلاف المكاسب العمالية التى تتمثل فى تحسن أوضاع العمال وتدريبهم مع إمكانية خلق فرص عمل جديدة».. الآن تبين أن هذا كله كذب فى كذب..

بدلا من أن تحصل الدولة على هذه المكاسب الوهمية يطالبها المستثمر السعودى بـ51 مليون جنيه نصيبها فى الخسائر «باعتبار أنها تملك 10% من عمر أفندى»، وبدلا من فرص العمل الجديدة تم الاستغناء عن نصف العمالة.. الفضيحة ليست هنا فقط.. هناك أولا فارق سعر الشركة الذى أهدر «نحو 700 مليون جنيه»، وهناك فروع المبانى الأثرية التى بيعت رغم التصريحات الحكومية المتكررة أن المشترى لا يحق له أن يبيع أى فرع..

اليوم تكشف للكل مدى التهاون فى الصفقة، وأعلن تحت قبة مجلس الشعب عن فساد سياسة الخصخصة وتكلم الكبار علانية عن حرامية الخصخصة.. لكن هذا لا يكفى.. كنت أتوقع من المجلس أن يبدأ فى حساب المفسدين، وكنت أتوقع من الرئيس فى خطابه فى عيد العمال قبل أن يتحدث عن «توفير الضمانات القانونية للحفاظ على حقوق العاملين وسداد مستحقاتهم» وقبل أن يتحدث عن «المليون فرصة عمل الجديدة» أن يطلب من حكومته محاسبة المفسدين الذين تهاونوا فى حقوق العاملين وتسببوا فى ضياع ألوف من فرص العمل وفرطوا فى المال العام، مال الشعب.. لكن الوهم لم يجمح بى أبدا إلى حد أن يكون المهندس يحيى حسين عبدالهادى واحدا من بين الـ12 الذين كرمهم الرئيس يومها..

فى كل الأحوال فإن أحدا لم يطلب ليحيى حسين تكريما ولا وساما.. نعرف لمن تذهب الأوسمة؟!.. كل ما نطلبه رد الاعتبار لهذا المواطن الشريف.. لكن، من يرد الاعتبار فى بلد لا يقام فيه للقيم والرموز اعتبار؟!