ملف مياه النيل أكبر دليل على غياب الدولة المصرية   عن محيطها الخارجي بل والحيوي أساسا منذ فترة طويلة ، فمصر هي النيل ولولاه ما كانت ، فهيرودوت لم يخطئ عندما قال أن مصر هي هبة النيل ، مصر الخارجية غابت كثيرا ونامت حتى وصل الأمر إلى ذروته ليس باستبعادها عن منظومة اتفاقاته بل أنها استبعدت فعلا ، وهي في تمام السكون ، وكأن لا شيئ يحدث حولها ، حتى وقعت الواقعة واتخذت القرارات من دونها ، ثم يخرج   أحد كبارالمسؤولين ليؤكد  أن حقنا في مياه النيل محفوظ و لا يستطيع أحد أن يقترب منه ، ولم يشرح لنا كيف سيكون ذلك ، فهل سيتم بالحرب ، وهل سنحارب سبع دول ، وهل مسموح لنا ذلك حتى لو امتلكنا القدرة العسكرية واللوجستية التي توصلنا إلى هناك ؟ ألم يكن من الأجدى لو عولج هذا الملف بهدوء وروية من خلال وزارة خارجية منتبهة لمصالح مصر في السنوات الماضية بدلا من تركه في يد وزارة الري بمفردها والتي تنقصها آليات التعامل مع الدول الخارجية  ، أليس هذا يشكك في وجود " مطبخ " داخل وزارة  الخارجية يعمل ليل نهار لمتابعة ما يحدث خارج مصر بالتعاون مع جهات أخرى و لوضع الخطط والعمل من أجل ضمان أمن مصر من مختلف النواحي ، أم تحولت هذه الوزارة إلى مثيل  لبيروقراطية الوزارات الأخرى ، ينظر كل من يعمل فيها إلى ساعته منتظرا موعد أنتهاء العمل ، فيخرج عائدا إلى بيته يحمل الجريدة في يد وبطيخة في اليد الأخرى كأي موظف آخر ؟

منذ يومين خرج اللواء السابق وعضو مجلس الشورى لوقا بباوي المدافع الصنديد عن الحكومة والواقف حرس سلاح و بالمرصاد لكل من يمس شعرة منها ، ليقول لمحطة البي بي سي ، أن إسرائيل هي المحرض الأساس  لدول حوض النيل السبع لاتخاذ هذا الموقف من مصر  ،وأنها اشترت أراضي واسعة في إثيوبيا خصصت لها ملياري دولا ر لزراعتها ومن ثم ستخصم المياه   اللازمة لزراعتها من حصة مصر ، يا سلام .. ! فأين كنتم من دور إسرائيل الذي تحدثت عنه الركبان قاطبة والعرب والعجم , والأبيض والأسود منذ أكثر من ثلاثين عاما ، كيف يمكن الحديث عن دور خبيث لحكام إسرائيل يريدون من خلاله  قطع  شريان الحياة  عنا ، ونحن نستقبلهم  بالود ، أو على الأقل التظاهر بالود كالذي أظهره وزير الخارجية أحمد ابوالغيط حينما تأبط زراع وزيرة خاريجتها ستيفي ليفني محاولا مساعدتها على عدم السقوط في موقف  تعوزه الحصافة في أوج الأجتياح الإسرئيلي لقطاع غزة ، لتستغله الصحف والمحطات التلفزيونية العربية في تسجيل موقف ضد مصر ، التي ضحت ولا تزال تضحي من أجل القضية الفلسطينية ، هل يمكن أن يجيبنا أحد عن أن وزارة خارجية مصر حذرت المسؤولين الأسرائيليين من المساس بملف مياه النيل ، ثم كيف نمنا على هذا الملف ونحن الذين كانت لنا اليد الطولى في إفريقيا في عهد الزعيم جمال عبدالناصر ، وتركنا الثعالب تعيس فيه فسادا ، أنها أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات ، ويبقى أهمها ماذا نحن فاعلون لتدارك ما حدث ؟