نهر النيل جزء من وجدان المصريين.. بقلم / إسماعيل عبد الهادي,,
يقاس تقدم الأمم ورقيها وحضارتها بنوعية الأداب والفنون التى تكون سائدة فيها وتعبرعن الواقع الذي يحياه المجتمع في زمن ما وحينما نرجع إلى ما سطر بذاك الزمن من أعمال بعد فترة نجدها تصلح كمادة تاريخية دسمة نستطيع من خلالها الحكم على تلك الحقبة الزمنية التى صيغت وقيلت فيها هذه الفنون أوهذه الأعمال الأدبية الرصينة المعبرة وهذا هو الهدف من الفن الجيد أنه جزء لا يتجزأ من تاريخ الأمم والشعوب وليس مفسدة أو مضيعة للوقت كما يتوهم الواهمون فهو نتاج فكري لإناس حباهم الله بموهبة فطرية لا تتوفر للكل ولا يقدر عليها سوى من وهب لها وحباه الله بها.
 
أقول ذلك بمناسبة ما تمر به الساحة السياسية المصرية الآن وإنشغالها بما يجرى لنهر النيل وسد النهضة الذى تشرع أثيوبيا في تنفيذه والذي سيحجب حصة مصر والسودان من ذلك النهر العظيم وتذكرت ماقدم من أغانى رائعة في حب ووصف ذلك النيل العظيم وأهمها ماغني عبد الحليم حافظ من كلمات الشاعر الرقيق/ سمير محجوب والذي اقتصرت معظم أعماله على عبد الحليم حافظ وقد صاغها لحناً بحرفية متناهية الفنان الكبير محمد الموجى واختار لها السلم الموسيقي الخماسي وهو ليس معهوداً إستخدامه بمصر ولكنه مستخدم في الغناء السودانى فكأنما أهدى الموجي اللحن لإخواننا في الجنوب وتبدأ الأغنية بقول الشاعر: يا تبر سايل بين شطين ياحلو يا اسمر ... لولا سمارك جوا العين ما كان تنور هكذا حينما يكون المجتمع مستقر يبدع الفنان أيما إبداع في مجاله ويرسم لنا بريشته لوحة فنية تعبر عما يجيش ويعتمل بصدورنا والعكس صحيح فحينما يكون هناك تخبط وعدم استقرار في عصر ما تجد الكل يتخبط وربما تمر المرحلة ولا تجد من يؤرخ لها فنياً سوى أعمال متناثرة ممن لهم مصلحة وغالباً ما تكون هذه الأعمال مزيفة ولا تعبرعن الحقيقة لإنه من الصعب أن يجد الفنان أو المبدع نفسه في زمن التكفير المبنى على الجهل بحقائق الأمور إذ ربما يكتب الشاعر قصيدة بإحساس مرهف تكون أعمق من كتاب فى التاريخ مكون من مئات الصفحات وهذا ما رأيناه في أغنية"حكاية شعب"التى كتبها الشاعر الكبير/ أحمد شفيق كامل فمن يسمعها أو يقرأها يقف على حقبة هامة من تاريخ مصر بدءاً من حادث دنشواى زمن الزعيم مصطفي كامل مروراً بحفر قناة السويس وما عاناه المصريين بالسخرة في حفرها إنتهاءاً بتأميمها في عصر جمال عبد الناصر ومن ثم بناء السد وهو ما يعبر عن وجدان الناس ومنهج ثورة ومسيرة شعب. ولكى لا نخرج عن إطار الفكرة الرئيسية في الموضوع فالمتأمل لكلمات أغنية النيل المشار إليها بدايةً نجدها لمسة شاعرية رائعة تبين مدى أهمية نهر النيل لمصر وقد صوره الشاعر بصورة بديعية وكأنه ذهب سائل يمر بين شطين وليس مجرد ماء وما لفت نظرى بشطرته الأولى من قوله:
 
 الدنيا مــن بعــــدك مــره ... يا ساقــى وادينا الحياة ده اللى يدوق طعمك مرة ... م.المستحيل أبداً ينساه ثم يختم الشاعر كلماته الرقيقة في وصف النيل بمداعبة الإخوة الإفريقية بقوله: ياريحة من الأحباب يانيل .. وأهل مش أغراب يانيل !!. مما يؤكد على أخوتنا سواء في الأعالى أو الوسط أو المصب فما يأتينا من ماء شبهه الشاعر بريحة أو عطر من أناس أعزاء علينا تربطنا بهم صلة الدم ويجرى في عروقنا ماء واحد هو النيل الخالد. وأيضاً هناك الكثير من القصائد والأغانى الآخرى التى تغزلت في النيل وأظهرت مدى عشق المصريين له ولا يتسع المقام لعرضها جميعها ولكننا نذكر بعضاً مما قد اشتهر منها مثل قصيدة "النيل" التى كتبهاالشاعرالكبيرأحمد شوقي وشدت بها أم كلثوم ومطلعها يقول: من أي عهد في القرى تتدفق ... وبأي كف في المدائــــن تغدق ومن السماء نزلت أم فجرت... من عليا الجنان جداولا تترقرق وبأي نول أنت ناسج بردة ... للضفتين حـــدودها لا يخلــــــق وكتب أحمد شوقي وباللهجة العامية الأغنية الشهيرة التى غناها محمد عبد الوهاب والتى تقول: النيل نجاشي حليوة أسمر ... عجب للونه دهب ومرمر وأيضاً الشاعر بيرم التونسي كتب من أحلى ما غنت به أم كلثوم : شمس الأصيل دهبت خوص النخيل يانيل ... تحفة ومتصورة في صفحتك ياجميل وكلنا رددنا في صغرنا مع نجاة أغنيتها الشهيرة من كلمات صلاح جاهين: عطشــان يا اسمــرانى محبــة عطشان يا اسمــرانى أملالى القنانى محبة أملالى القنانى يانيل يااسمرانى بل أن فيروز رغم أنها ليست مصرية فقد غنت هى الآخري للنيل فقالت :
 
مصر عادت شمسك الذهب .. تحمل الأرض وتغترب كتب النيــل علــــى شطــه .. قصصـاً بالحـب تلتهب إذاً نهر النيل ليس مجرد مياه تتدفق تأتى من أقصي الجنوب الإفريقي لتصب فى مصرولكنه يشكل وجدان المصريين ومحور حياتهم فلا يجوز بأى حال من الأحوال التفريط أو التهاون مع أى جهة تريد أن تحرم مصر من هذا النبع الذي أرتبطت به إرتباطاً وثيقاً وقال المؤرخ الإغريقي هيرودوت الذى عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ووصف بأنه أبو التاريخ قال"مصر هبة النيل"..وهناك من القصص الشعبي الذي توارثته الأجيال الكثيرعن هذا النهر العظيم ومنها أن المصريين القدماء كانوا يهبونه أجمل بناتهم حتى يظل يتدفق حاملاً خيره ونماءه. وبالتالي ما كان أحد يفكر يوماً ما أن يجئ زمن يقال فيه أن مصر ستحرم من هذا النهر ولكن في زمن الضعف والخنوع كل شئ متوقع فمصر اليوم لا قيمة لها ولا إحترام لقياديها أو شعبها لإنها هانت على أبناءها وبالضرورة تهون على إخوانها سواء أكانوا أخوة العربية أو الإفريقية وهو ما لانقبله بأى حال من الأحوال فإذا كانت إسرائيل قد قامت بمد يد العون للإثيوبين لإنشاء السدود لحرمان مصر المتعمد من هذا النهر في ظل غياب سياسة الحكومة المصرية وسباتها العميق فنحن كشعب لن نقبل ذلك وسنخرج عن بكرة أبينا للدفاع عن حقنا في هذا النهر الذي هو جزء هام لا يتجزأ من كياننا ومن ماضينا التليد وحاضرنا فهو تاريخ مصر فإذا ذكرالنيل ذكرت مصر وإذا ذكرت مصر تبادر لذهن الجميع النيل والأهرامات فهما صنوان لا ينفكان من تاريخ مصر العظيم والتاريخ ليس من حق جماعة تأتى في زمن لتهدمه تحت أى مزاعم تدعيها فمن لا يروقه تاريخ صنعه رجال أفذاذ وتوارثناه عبر الأجيال فليحمل عصاه وليرحل غير مأسوف عليه فمصر عرفت توحيد الأله قبل بزوغ الأديان فليس من حق كائن ما كان أن يلفت نظرنا إلى ماهو يستقيم أو لايستقيم مع قيم الدين وإلا من باب أولي فلينظر إلى نفسه هو ويقيسها بمقياس الدين هل هو منطبق عليه فهماً وسلوكاً أم أنه شاذ؟
 
فمن هو شاذ يمتنع عليه الحكم على غيره بالشذوذ أو يرمى غيره بالكفر وربما يكون غيره أفضل منه سراً وعلانيةً. إذاً فما يحدث الآن ما هو إلا إختبار.. وإختبار هام فمن لا يقدرعلى إجتيازه وبأسرع وقت ممكن فهو لا يصلح للحفاظ على حضارة الآف السنين مطالب بل مأمور بالحفاظ عليها لا بهدمها وإلا من حق الشعب الخروج عليه لهدمه هو وقلعه من جذوره فمن لا يحافظ على تاريخه وتراثه فهو منبت الصلة لا يأمن على حماية نفسه أو هويته وشعبه وبالتالي يكون فاقداً للصلاحية عديم الأمانة عديم الهوية.