يحلم الكثير من المصريين، و أنا معهم، بالتغيير بغض النظر عن ماهيته و ذلك لمجرد التغيير. و لكن هل يمكن أن تنسحب تلك الرغبة الحلم على كل شيء في حياتنا؟ من المعقول أن يسعى الإنسان لتغيير مظهره ليحصل على "نيو لوك" أو أن يغير من عاداته اليومية أو أحيانا من دائرة معارفه و صداقاته لكسر الملل و الروتين. لكن هل من المعقول أن أطالب بتغيير مصيري قد يؤثر في أفراد العائلة جميعا أو الحي الذي أحيا به أو حتى الأمة بدون دراسة وافية و متأنية لتبعات ذلك التغيير؟ هل يعقل أن أتحالف بكل سذاجة مع أفراد أو جماعات من خارج المحيط المستهدف بمطالب التغيير بدعوى أنهم يريدون الخير لنا جميعا؟ و الأدهى و الأمر على الإطلاق هو أن أحلم بـــ "مخلص أوحد" ليأتي و يخلصنا جميعا من متاعبنا و ينتشلنا مما نعاني.
سادتي، أزعم و بكل الموضوعية الممكنة، أن التغيير لا بد و أن يأتي من الداخل مشفوعا برغبة جماعية مخلصة لا تشوبها أغراض أو شبهات تحقيق مصالح شخصية بهدف تحقيق الفائدة للسواد الأعظم من المطالبين به.
و مع تحفظاتي على أداء حكومة ثورة 23 يوليو، إلا أنني أري بها النموذج المثالي للرغبة في التغيير التي عمت جميع طوائف الشعب و الذي تحقق برغبة محلية دون أي تحالفات أو أجندات أجنبية دخيلة. لقد كتب للثورة النجاح بتضافر جهود مجموعات الضباط الأحرار جميعا و ليس جمال عبد الناصر وحده و جاء مجلس قيادة الثورة ليعمل كفريق واحد متكامل لرفع المعاناة عن أفراد الشعب الكادح و استمر النجاح حتى لعبت القوى الأجنبية لعبتها الأزلية الدنيئة و بدأت باستمالة بعض أعضاء التنظيم لذات الهدف القديم الجديد: "فرق تسد" و بدأت الماكينات الإعلامية في تضخيم ذوات المسئولين لتحافظ على الكراسي من جهة، و لتروج لمفهوم الفارس الأوحد كما قال عادل إمام في مسرحية الزعيم "أنت القائد ، أنت الفارس، أنت مفجر ثورة مارس" من جهة أخرى.
من المهم لنا جميعا أن نضع نصب أعيننا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. أنها قاعدة بسيطة و صحيحة تماما أذكر بها كل من انساقوا وراء دعوات كفاية و أجندة أيمن نور المشبوهة الدوافع و التمويل في السابق لمجرد الرغبة في التغيير و هاهم اليوم يكررون نفس الغلطة مع الدكتور محمد البرادعي ( مع احترامي الشديد له) دون معرفة ما إن كان الرجل قادرا على إدارة دولة بحجم و مقدرات مصر لمجرد تجربة توليه منصبا دوليا شرفيا دون أية سلطات. فهل يكفي أن أتحدث لغة ما بطلاقة لكي أستطيع أن أدرسها مثلا أو أن أحصل على درجة علمية ما للتو لأصبح قادرا على إدارة مؤسسة أكاديمية كبري إن جاز التشبيه؟ بالطبع لا!
كما أنني لا أقبل بطبيعة الحال أن يتدخل جاري أو زائر لمنزلي في إجراء أي تغيير أو تعديل في كيفية إدارتي لشئون بيتي أو مجرد المطالبة به أو التحريض عليه كما حدث مع أخوتنا الذين تجمهروا في الكويت مؤخرا لتأييد البرادعي دون تقييم كاف للموقف أو إدراك للشرك المنصوب لهم من الفرع الأول للجماعة خارج مصر و الذي خطط لتأسيس الفرع الثاني في الكويت كما استهدف مجموعة من الشباب الأغرار ( مع احترامي و تقديري لهم) كما هو الحال أبدا مع الأجندات الأجنبية و كما حدث عند استهداف مصر بالعمليات الإرهابية بيد عدد من شبابها المضلل في الثمانينيات من القرن العشرين.
أخواني في الوطن و شركائي في حلم التغيير ( الذي أصر أنه لا بد أن يكون للأفضل من أجل مستقبل مصرنا الحبيبة و أبنائنا من بعدنا)، لا بد أن يبدأ التغيير من قاعدة الهرم ليكون قويا و ثابتا و دائما. نحن بحاجة لأن نبدأ بأنفسنا و بأبنائنا لنربي فيهم روح المواطنة و الصدق و الإخلاص في العمل و الأمانة و التحابب بين أطياف المجتمع المصري و نبذ المحسوبيات و الرشاوى التي تدفع للوصول للغايات ( الميكيافيلية في أغلب الأحيان). يجب أن نحمي الأجيال القادمة من الحملات الخارجية الشرسة التي تستهدف القضاء عليهم و على إبداعهم، يجب أن نعمل على توفير أفضل فرص التعليم لهم لنربي جيلا قادرا على تحمل المسؤولية و مواكبة تحديات و تغيرات المستقبل، جيلا حريصا على تطوير و طنه و لا يحلم بالهجرة و التخلي عن مسؤولياته كما فعل أغلبنا. يجب أن نشجع على وضع و احترام و تطبيق القوانين بالتساوي على الغني و الفقير، يجب أن نحاسب المسيء و نكافئ من يحسن عمله من أجل خلق لبنات قوية نبني بها قاعدة الهرم القوية لتفرز قمة فتية تستمد قوتها من جذورها الضاربة في الأعماق أكثر من نفوذها و سطوتها. ما الفائدة من تغيير القمة مع الحفاظ على نفس القاعدة الفاسدة التي سرعان ما تفسد أي قمة من أجل الحفاظ على المصالح و المكتسبات الشخصية كما حدث في بعض الدول؟ قد يكون الحلم، هكذا، طويل الأمد و لكن........دعونا نحلم و نتشارك في أحلامنا لتوحيد آمالنا و تحقيقها يوما ما لتبقى و تدوم.