مصر التي فرقها ... أبناؤها !

 بقلم.. عبدالله متولي
يقول الدكتور جمال حمدان في كتابه «شخصية مصر»: تنفرد مصر بين العرب ولكن موقعها الجغرافي يأتي ليمنحها المزيد من التفرد وأبرز ما في هذا الموقع أنه كالقلب من الجسم، وواسطة العقد، وهمزة الوصل بين آسيا العربية وأفريقيا العربية وكما قال الغازي الشهير نابليون بونابارت عندما قاد الحملة الفرنسية على مصر (مصر هي قلب الكرة الأرضية من احتلها سيطر على العالم كله).
قال عنها الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه، فاتح مصر وأول ولاة الإسلام عليها: «ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة».
وقبل أيام خصص الدكتور الشيخ محمد العريفي، الداعية الإسلامي السعودي المعروف، خطبة الجمعة في أحد مساجد مدينة الرياض للحديث عن مصر، واستمرت الخطبة لمدة 34 دقيقة عدد فيها فضائل مصر ومناقبها من كافة الوجوه، وأكاد أجزم أن السواد الأعظم من المصريين ليس لديهم ولو قليل علم أو معرفة بكل ما ذكره الشيخ العريفي عن مصر، اللهم إلا النفر القليل منهم من قرأ أو تعلم في معهد أو جامعة أو ساقت إليه الأقدار بعض المعلومات وهو لم يسع إليها...!
لم يكن مستغرباً أن تُبكي خطبة العريفي كل من سمعها ووعاها بقلبه، وهيجت مشاعره، فبكى سعادة وفرحاً بما يسمع من أمور يعرفها للمرة الأولى في حياته عن بلد يحبه، ومنهم من بكى اندهاشاً لأمر هذا البلد الذي يمتلك كل هذا التاريخ العظيم والحضارة الزاهرة ثم يصبح هذا حاله... ومنهم من بكى حزناً على حال مصر وما آلت إليه الأحداث فيها، ومنهم بكى ضجراً وضيقاً من أهلها الذين لا يعرفون لبلدهم قدرها، ومنهم من بكى خوفاً على مستقبل هذا البلد العظيم الذي اصبح في مهب الريح بسبب خلافات واهواء شخصية ومصالح آنية، ورؤية قاصرة، وأفق ضيق، ومنهم من بكى حسرة وألما وهو يسمع الشيخ السعودي وهو يتكلم عن مصر بكل هذا الفخار والاعتزاز والعشق، وفي الوقت نفسه يسمع ويشاهد نفر من ابنائها ممن يدعون شيوخا وعلماء وهم لا يرقبون في الناس إلا و لاذمة، ولا يحفظون عهدا، ويضربون بمكارم الاخلاق عرض الحائط، ويتحزبون ويختلفون وتتعالى اصواتهم الى حد الصراخ نصرة لجماعة او لحزب او فصيل ويحاولون ايهام الناس بأن هذا هو الدين الصحيح...
عن اي دين يتحدثون...! عن الدين الذي أسس لدعوة الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، عن الدين الذي طالب اتباعه بنبذ الفرقة والاختلاف والتنازع والتناحر حتى لا يفشلون وتذهب ريحهم... عن الدين الذي بعث مبلغه ورسوله صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الاخلاق... عن الدين الذي حفظ لغير المسلمين حقوقهم وكرامتهم ودماءهم وأموالهم... عن اي دين يتحدث هؤلاء...؟ ان كانوا يعلمون حقيقة الدين فتلك مصيبة يتحملون وزرها امام الله سبحانه وتعالى لأنهم يقولون على الله بغير الحق، وان كانوا لا يعلمون فالمصيبة اعظم والوزر اشد لأنهم يقولون بغير علم، وفي كلتا الحالتين فإنهم يتحملون الوزر الأكبر في تحزب العامة وتفرقهم واختلافهم، والمفترض فيهم ان يكونوا دعاة تجميع للصفوف وتوحيد للكلمة، واخماد لنار الفتنة قبل ان تشتعل فتأتي على الأخضر واليابس، وتحرق الأمة بنيرانها.
لقد ابكت خطبة العريفي الملايين من الناس لأنهم عرفوا عن مصر انها بلد الانبياء ومسكن العلماء، وانها ام الدنيا، وام الحضارة وارض العز، وانها الأرض الطيبة التي مدحها الله تعالى بأن فيها خزائن الأرض ولنا في قصة نبي الله يوسف عليه السلام العبرة والعظة، بكى الناس لأنهم تذكروا ان مصر فيها الوادي المقدس طوى، وفيها الجبل الذي كلم الله موسى من فوقه، وفيها نهر النيل المبارك احد انهار الجنة، وهو النهر الوحيد الذي ذكر في القرآن الكريم، وفيها الربوة التي آوى الله اليها عيسى وامه عليهما السلام، وفيها جامع عمرو بن العاص اول جامع في افريقيا وفيها الازهر الشريف منارة الاسلام الوسطي في العالم.
لقد بكى الناس عندما عرفوا ان مصر سكنها او مر بها او جاء اليها رسول او دفن فيها 350 صحابيا من صاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتذكروا ان خامس الخلفاء الراشدين الذي ملأ الارض عدلا في عامين واربعة شهور هي مدة خلافته عمر بن عبدالعزيز رحمه الله قد ولد فيها وعاش فيها فترة صباه، اكاد اجزم ان هذه المعلومة تحديدا كانت سببا في ارتفاع حدة البكاء لأن الناس ربطوا بين عدل عمر بن عبدالعزيز وجده الفاروق رضى الله عنهما، وبين ما يحدث لهم الآن...!
لقد بكى الناس عندما تذكروا الليث بن سعد الفقيه والعالم العامل، والقارئ ورش صاحب القراءة المشهورة في القرآن الكريم، وابن هشام صاحب «السيرة النبوية» والإمام الطحاوي صاحب «العقيدة الطحاوية» والإمام الشاطبي صاحب منظومة «الشاطبية» في علم القراءات، وغيرهم الكثير في شتى فنون العلم الديني والدنيوي.
لقد بكوا عندما تذكروا أمنا هاجر أم جدنا إسماعيل عليهما السلام، وتذكروا ماريا القبطية التي ولدت لنبينا صلى الله عليه وسلم ابنه ابراهيم.
لقد بكوا عندما سمعوا قول الصحابي الجليل عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو يقول: «قبط مصر هم أخوال قريش مرتين» ويعني هاجر وماريا... لقد بكى الناس عندما تذكروا صلاح الدين وجنوده من المصريين وفتحهم لبيت المقدس وطرد الصليبيين منه... عندما تذكروا قطز وعين جالوت والقضاء على غرور التتار... عندما تذكروا الحروب الصليبية وأسر لويس التاسع في دار ابن لقمان بالمنصورة... عندما تذكروا الدفاع عن فلسطين والعدوان الثلاثي وحرب العاشر من رمضان المجيدة التي قضت على اسطورة الجيش الصهيوني انه جيش لا يقهر... بكوا عندما تذكروا خط بارليف، وعبور قناة السويس، والدماء الذكية التي روت تراب سيناء لتحريرها من أيدي المغتصب... سيناء التي لا يعلم أحد عنها شيئاً الآن... سيناء التي يقطع البعض أنها في سبيلها الى الضياع مرة أخرى... سيناء التي انشغلنا عنها بسفاسف الأمور... سيناء هذا الجزء الغالي من تراب مصر البلد الذي كان دائماً مؤهلاً لقيادة الأمة لولا نفر من أبنائها لم يعرفوا لها قدرها... فجعلوها - بقصد أو بغير قصد - محل شفقة الآخرين، وسخرية البعض، وشماتة المتربصين... بل جعلوها تتهاوى وهي تصارع الضربات المتلاحقة التي توجه إليها من كل حدب وصوب... فهذا اقتصادها في طريقه الى الهاوية بسبب انعدام الرؤية وفقدان السياسات الاقتصادية، وليس هناك من رجل رشيد... والأهم من ذلك الأحداث المؤسفة التي تعيشها البلاد وهي كفيلة بتدمير ما تبقى من سبل العيش، والضحية ليست النخبة المتصارعة، بل الشعب المسكين المغلوب على أمره، الذي أصبح يعاني من شظف العيش وضيق المورد، حتى أصبح أغلبه لا يجد حد الكفاف من العيش... وهذا أمنها... قد أصبح في خبر كان... حتى ان البعض يرى أن عودة الأمن الى البلاد أصبحت من دروب الخيال وأحلام المنام... وهذا إعلامها... أصبح مجرد أبواق تحركها الأهواء والانتماءات وأحياناً كثيرة المال وخاصة الفاسد منه... فماذا تبقى من هذا البلد...؟! شعب يجاهد ويكابد الصعاب للحصول على قوت يومه، فاقد للأمل في مستقبله، يفتقر لأدنى حدود الأمن والامان، يشاهد اعلاماً غير أمين لا حيادية ولا موضوعية فيه... بلد هذا شعبه كيف ينهض وكيف تقوم له قائمة...!
لقد عاش الشعب المصري قرابة الستين عاما هي عصر الجمهورية تحت سطوة حكم الفرد من خلال الأنظمة التي تعاقبت على حكمه بعد نهاية الحكم الملكي، وعلى الرغم من ان سطوة الحاكم تباينت اشكالها وتغيرت وتيرتها بين صعود وهبوط، ومنح الشعب بعض المساحات من الحرية أحيانا، وحصوله على بعض المكتسبات التي لم ترق يوما الى مستويات الطموح، على الرغم من ذلك لم يشعر الشعب يوما انه يملك ارادته في تشكيل نمط ونظام الحكم الذي يرتضيه لنفسه، او حتى يملك حريته في ادارة شؤون حياته، وان النظام كان يتولى هو تشكيل نفسه واختيار السياسة الحاكمة لانه سلب الشعب ارادته ومن ثم فإن الشعب مسلوب الارادة لا يملك مقومات الحياة، وعليه فإن النظام هو من يدير له شؤون حياته قسرا وقهرا وعليه (اي الشعب) ان يقبل ويرضى بما يرميه له النظام من فتات في شتى مناحي الحياة، ليس هذا فحسب، بل عليه ان يدين للنظام بالولاء والطاعة وان يفديه بالروح والدم لانه انعم عليه وابقى على حياته وتركه يعيش تحت لوائه، لاجل ذلك عندما قامت ثورة 25 يناير شعر الشعب ان الأمل في الخلاص من سطوة الفرد ينسج خيوطه، وان فجرا جديدا يلوح في الافق، وان ما كان ذهب الى غير رجعة، وان مصر الجديدة تبني نفسها، وان الحياة سوف تتبدل، وسيمحق الحق الباطل... وسيطرد اليسر العسر... وسيقضي الأمن على الخوف... وان الآتي افضل... لكن بمرور الايام وتلاحق الاحداث بدأ هذا الشعور يتبدد، ويكاد يكون قد اختفى عند الكثيرين وتملكهم الخوف ان شيئا من احلامهم لم ير النور... والحال من سيئ الى أسوأ... وأم الدنيا يحيق بها الخطر من كل جانب.
فهل هذه مصر التي كنا ننتظر بعد ثورة وقف العالم لها اجلالا ووضعها في مقدمة الثورات على مدار التاريخ؟!
لاجل هذا بكى الناس عندما سمعوا خطبة الدكتور العريفي عن فضائل مصر... ام انهم بكوا لانهم خسروا الرهان الذي راهنوا عليه... ام ان ثورتهم كانت مجرد حلم وانهم سيعاودون الكرة ويدينون بالولاء لمن يحكم وانهم على استعداد لفدائه بالروح والدم...؟!