الإنتحار من عمل الشيطان..
بقلم/ إسماعيل عبد الهادي,,
كثير من العادات السيئة والمستهجنة قد استوردناها وقلدناها ممن هم لا يدينون بدين أو ممن هم يؤمنون بعقيدة من صنع البشر كالبوذية والكنفشيوسية وغيرهما من عقائد فاسدة مبتدعة لا تؤمن بوجود حياة بعد الموت مثلما هم كانوا يعتقدون قبل الإسلام,ومن أبرز هذه التقاليد الفاسدة الإقدام على الإنتحار أياً ما كانت النتيجة التى يتغياها ويسعى إليها المنتحر مثلما حدث فى تونس عام 2011م عند بدء ما سمى بالربيع العربى وقيام المدعو محمد البوعزيزى بحرق نفسه فى ميدان عام وقد جعلوا منه بطلاً يحتذي به ومفجراً لثورة تونس التى أطاحت بالرئيس زين العابدين بن على نتيجة إقدام ذلك الشخص الموتور على هذا الفعل الشنيع وربما قد حاول تقليده والسير على نهجه ممن هم دينهم على حافة الهاوية فيقدمون على الإنتحار للفت الأنظار وإدعاء البطولة الزائفة وربما يكون فعل الإنتحار المشين من أجل موت شخص لا يمت للمنتحر بصلة مثلما حدث فى سبعينيات القرن الماضى حينما مات عبد الحليم حافظ فقزت بعض الفتيات من شرفتهن إنتحاراً فلقين حتفهن من أجل مطرب كانوا يعشقونه وربما يكون قد مات قبله أبائهن أو أمهاتهن ولم يفعلن ما فعلن ذلك عليهم رغم أن الإنتحار مجرماً حتى ولو كان بسبب فقد الأب أو الأم وإلا لو أن كل منا قتل نفسه لموت عزيز لديه لما بقى على وجه البسيطة بشر بل أن الرسل وهم من أشرف الخلق وأحبهم إلى الله وأحبهم إلى عباده حينما ماتوا كانت صدمة لمن عايشوهم وارتبطوا بهم لكنهم ثابوا إلى رشدهم وأفاقوا من الصدمة واستكملوا رسالة النبى وهذا ما حدث مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه حينما بلغه خبر وفاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه فشهر سيفه وقال من قال أن محمداً مات لقتلته بسيفي هذا فهون عليه أبو بكر الصديق رضى الله عنه وفى حينها جمع الناس وحدثهم بثبات المؤمن رابط الجأش" فحمد الله وأثني عليه
ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال سبحانه وتعالى إنك ميت وأنهم ميتون وقال سبحانه وتعالى:وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزى الله الشاكرين"قيل فنشج الناس يبكون,قال عمر بن الخطاب حينها فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر الصديق.
والآية المذكورة هى آية إرشادية من الله تعالي لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزهم عن إيمانهم أو بعضاً من لوازمه موت رئيس ولو عظمت درجته وعلا شأنه وما هذا الموت لهذا الزعيم إلا بالإستعداد بعده وإعداد رجال من أهل الكفاءة لتحمل المسئولية ومشعل الهداية والتنوير ومن ثم يستتب الأمن وتستقيم الأمور ونعلم قصة أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها - فقد مات زوجها أبى سلمة فى غزوة أُحد فحزنت عليه حزناً شديدا فأتاها النبي صلى الله عليه وسلم ليصبرها فقال لها قولي اللهم أجرني في مصيبتي وأبدلني خيراً منها فقالت ومن يكون خيراً من أبي سلمي يارسول الله؟
قال لها أدعوا وسوف يعوضك الله خيراً فما إن إنقضت عدتها حتى تقدم الرسول عليه الصلاة والسلام طالباً يدها فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصبحت من أمهات المؤمنين وكانت لها أراء صائبة في الأسلام أهمها ما أشارت به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية فلو أنها مع حبها الشديد لزوجها أبى سلمة قد أنتحرت حزناً وغماً على فقدها إياه وهو الذي أنجبت منه أربعة أولاد لكانت قد أصبحت فى طي الكتمان ولم تبل بلاءاً حسناً فى الإسلام وتتشرف بالزواج من سيد الخلق أجمعين وتصبح من أمهات المؤمنين.
فديننا الحنيف لا يجعلنا نتجمد عند المصيبة وكأن الأرض توقفت عن الدوران بل يحثنا على الصبر والدعاء والإحتساب وألا نجزع فلا ندري أين مكمن الخير فالله خلقنا وهو أعلم بنا وما هو الأفضل والأنجع والأجدي لنا وكلنا يقرأ سورة الكهف ويمر على قصة سيدنا موسى مع سيدنا الخضر وما قام به من أعمال غيبية خفيت عن سيدنا موسى- وهو رسول - ولم يسطع عليها صبراً ففسرها له الخضر عند نهاية الرحلة بما يؤكد أن المستقبل بيد الله يصرفه كيفما شاء فما نراه شراً ظاهراً محضاً ربما يخفي في طياته الخير,فخرق السفينة من أجل تعييبها لكي لا يأخذها الملك الغاصب,وقتل الغلام من أجل أن يبدل الله أبويه خيراً منه زكاة وأقرب رحما لأنه كان أبناً عاقاً فاسدا,وبناء الجدار في القرية اللئيمة التى لا تكرم الضيف من أجل التعتيم على كنز لغلامين يتيمين في تلك القرية حتى يكبرا ويستطيعا إخراجه بأنفسهما لينتفعا به ذلك لأن أبوهما كان صالحا.. كلها أمور بمنظورنا القاصر ربما في حين وقوعها تزعجنا وتقلقنا وتجعل ضعفاء الإيمان يلجأون إلى الإنتحار لكن حينما نحتسب ونترك أمرها على الله نهدأ ولا تجزع نفوسنا أو تهلع ويفرغ الله علينا فيض الصبر.
ومن ثم فإن الدين الإسلامي الحنيف حفظ للإنسان حياته وحرم الإعتداء عليها إلا بالحق فلا يجوز قتل النفس التى حرم الله ومن يفعل ذلك يلقى آثاما وهو فى الآخرة من المخلدين فى نار جهنم وبئس المهاد سواء أقدم على قتل غيره أو أقدم على قتل نفسه وهو أشد – لإن قتل النفس سهل ميسور خلافاً لقتل الغير الذى يحتاج لمكيدة وتدبير- فالله خلق الإنسان من أجل هدف أراده وتغياه سبحانه وتعالى وحدد أعمارنا فى تلك الحياة منذ البدء إلى المنتهى فقال عز من قال:" ولكُلِ أمةٍ أجلُ فَإذَا جَاءَ أجلُهُم لا يستأخِرُونَ ساعةً ولا يستقدِمُونَ " الأعراف/34
فكيف يتسنى لنا نحن البشر أن نقدم أو نؤخر في الأجال التي حددها الله وقدرها بميقات لا يعلمه إلا هو؟وكيف يكون لمؤمن أو مؤمنة يشهد بالوحدانية والإنتماء إلى الإسلام يدعو أو يعتقد بمشروعية الإنتحار تحت أي زعم أومسمى سواء أكان من أجل عشق فاشل أو حب ممجوج أو خسران مال أو فقد حبيب أو تغيير نظام دولة أوغير ذلك من أمور يراها ضعاف الدين والإيمان موجبة لهذا الفعل المقيت المنهى عنه.
ومن الفساد أن يعتقد الإنسان أن جسده ملكه يتصرف فيه كيفما يشاء ووقتما يشاء فنحن ودائع مملوكة لخالق يستردها فى ميقاته الذي يحدده هو لا الذي نحدده نحن بغباء حتى ولو أصيب الإنسان بمرض عُضال فها هو سيدنا أيوب – عليه السلام - أصيب بأمراض لم تتحملها طاقة بشر وفقد أهله جميعاً وفر منه من فر ممن حوله إلا زوجته التى صبرت وتحملت معه وكانت نعم الزوجة المحتسبة فكان لا يملك إلا الدعاء ثم جاءه الشفاء من الله لدرجة أن زوجته لم تعرفه بعد إغتساله وبرءه وكانت حينها فى إنتظاره فسألته هو نفسه عن أيوب حينما رأته شخصاً صحيحاً معافياً جميل الخِلقة ! فكيف بالله لو أن سيدنا أيوب يأس من مرضه الذى ألم به وأقدم على الإنتحار وهو الذي كان ميئوساً إياساً كاملاً من شفاءه لشدة الإبتلاء لدرجة أن جسده كان يخرج منه الدود وهو على قيد الحياة فأيما صبر هذا وإحتساب وينبئنا المولى عز وجل عن ذلك فيقول:"واذكُرعَبدَنَا أيوبَ إذ نَادى ربهُ أنٌىَ مَسَنىَ الشَيطانُ بِنُصبٍ وَعَذَابٍ",".. إنَا وجَدنَاهُ صابِراً نِعم العَبدُ إنًهُ أوابُ" سورة ص /44,41
ومن ثم نستطيع أن نخرج بنتيجة مفادها أن كل من يؤمن بفلسفة الإنتحار تحت أي زعم أو أي مبرر كائناً ما كان فهو كافر مطروداً مبعداً عن رحمة الله وآيس من قدرته سبحانه وتعالي عن الحلول وتبديل الأحوال وكل من يؤمن بهذه الفلسفة المقيتة ويشجع عليها فهو مثل فاعلها تماماً وبالتالي يتعين توجيه الشباب عبر وسائل الإعلام ولكل من يملك القدرة على الكتابة أن يدعو وينبه لخطورة هذه الفلسفة المستوردة التى لا تمت لديننا الحنيف بصلة لأنها من فعل الشيطان الذي توعد المولى عز وجل فقد قال سبحانه وتعالى فى محكم التنزيل:"قَالَ فبِمآ أغويتنىِ لأقعُدَنَ لهُم صِراطَكَ المُستَقِيم,ثُم لأ تِينهُم من بَينِ أيدِيهِم ومِن خَلفِهِم وَعَن أيمانِهم وَعَن شمآئِلِهِم ولَا تجدُ أكثَرَهُم شاكرينَ,قَالَ أخرُج مِنهَا مذءُوماً مَدحُوراً لَمَن تَبِعكَ مِنهُم لَأملأنَ جَهنَمَ مِنكُم أجمَعين" الأعراف/18:16
إذاً فكل عمل لا يتسق مع قيم الإسلام هو من عمل الشيطان لأن الله أنظره فى الحياة الدنيا كما طلب عندما أبى السجود لأدم حين خلقه الله فحنق إبليس وأقسم أن يتخذ من عباد الله نصيباً مفروضا,فلنقو إيماننا ونقاوم ذلك الشيطان اللعين ونستعيذ بالله منه عند كل ملمة وأخطرها وأشنعها هي وسوستة للمسلم ضعيف الإيمان بالإقدام على الإنتحار والتخلص من الحياة التى وهبه الله إياها فيلقى ربه وهو كافر جاحد لنعمه والآءه فيحاسب حساباً عسيراً ثم يكون أمره له وحده سبحانه تنزهت أسماءه وتعالى ذاته.