fiogf49gjkf0d
ماذا لو سقط الرئيس؟!
// مجدي طلبة//
لم يكن الرئيس محمد مرسي يتصور ان يأتي عليه اليوم الذي يحتج فيه بعض المصريين أمام قصر الاتحادية الرئاسي ويجبرونه على الدخول والخروج من الباب الخلفي للقصر مطالبينه بالتنحي وهو الذي كان قد فتح صدره أمام جموع المصريين يوم تنصيبه رئيساً لمصر في ميدان التحرير- أيقونة ثورة 25 يناير- ليثبت لهم عدم ارتدائه واقياً من الرصاص لعدم خوفه من أحد وهو وسط الثوار، لكن المحتجين وبعد مرور سبعة أشهر فقط من وصوله الى سدة الحكم احتشدوا عند بوابات القصر وأسمعوه هتافات قاسية مثل «ارحل» و«الشعب يريد اسقاط النظام» وهي نفس الهتافات التي أطلقها المصريون ضد حسني مبارك ونظامه في أثناء الثورة.
يبدو ان الرئيس مرسي لم يضع في حسبانه منذ اليوم الأول لدخوله قصر الرئاسة حقيقة في غاية الأهمية وهي ان هناك أكثر من 12 مليون مصري صوتوا ضده في الجولة الثانية من السباق الرئاسي وانهم حتماً سيشكلون جبهة معارضة قوية ضد نظامه، سواء أكانت منظمة أو غير منظمة، تضم «فلول» الحزب الوطني المنحل وقوى علمانية وليبرالية ومواطنين عاديين رافضين لجماعة الاخوان المسلمين بشكل عام والرئيس مرسي بشكل خاص لعدم قناعتهم بكفاءة وجدارة الرئيس مرسي بتولي دفة القيادة في أكبر وأهم دولة في العالم العربي.
هذه الكتلة التصويتية الضخمة توحد معها في الهدف عدد من القوى الثورية والسياسية التي كانت قد أيدت الدكتور مرسي في الانتخابات الرئاسية لكنها انضمت الى صفوف المعارضين للنظام الحاكم الجديد لرفضها عدداً من القرارات والاجراءات الأخيرة، على رأسها الاعلان الدستوري ومسودة الدستور والاستفتاء على الدستور وقانون الانتخابات، وقد انخرط جانب كبير من هذه التوليفة في ما بات يعرف بـ «جبهة الانقاذ الوطني»، التي أضحت قادرة على تحريك الشارع المصري ضد الرئيس وجماعته وضد المنهج الذي يتبعه في ادارة شؤون البلاد، بل وسلك بعض قادتها مسلكاً أعطى للبعض ايحاءً بانهم يوفرون غطاءً سياسياً بطريقة أو بأخرى لبعض أعمال العنف والتخريب في البلاد والاعتداء على قوات الشرطة والمنشآت العامة.
لا يخفى على أحد انه يوجد من بين هذه التوليفة من يسعى جاهداً لتحريك وتأليب الشارع ضد الرئيس ويتحين كل فرصة للانقضاض عليه وتشويهه وتجريحه دون الوضع في الاعتبار ان الرئيس، بغض النظر عن اتفاق البعض أو اختلافهم مع نهجه في الحكم وبغض النظر عن بعض الأخطاء التي ترتكب من النظام الحاكم، يظل الرمز الاول للدولة المصرية، واذا استبحنا لانفسنا اهانته وتجريحه اذا فعلينا ألا نلوم غيرنا اذا أهان بلدنا ورئيسنا الذي هو أول زعيم عربي تم اختياره في انتخابات حرة ديموقراطية شهد لها القاصي والداني. المشكلة الآن هي ان بعض قيادات ورموز المعارضة يصرون دائماً على نعت الرئيس بانه فاقد للشرعية ويتبنون حملة اعلامية صريحة ضده ويؤلبون قيادات القوات المسلحة ضده من حين لاخر بل ويطالبونهم بالتدخل لازاحة الرئيس وتولي ادارة شؤون البلاد تحت زعم الحفاظ على الاستقرار وانقاذ الوطن من الانهيار.
صحيح ان هناك رموزاً من المعارضة والنخبة المصرية يتبنون أسلوباً يتسم بالحكمة والعقلانية في رفضهم لبعض السياسات والقرارات الرئاسية ونقدهم الحاد أحياناً للأداء السياسي لجماعة الاخوان المسلمين بالنظر الى خطورة وأهمية بعض الأحداث والقضايا الداخلية بغية تصويب الاعوجاج وتصحيح المسار الديموقراطي في البلاد، لكنهم في الوقت ذاته حريصون على عدم الاثارة والتهييج أو المبالغة في عرض وتحليل الأمور وينأون بانفسهم عن تجريح أو تشويه صورة الرئيس بل ويقرون بشرعيته، لكنهم، للأسف، أقل ظهوراً ونجومية على برامج الـ «توك شو» الليلية.
المشكلة ان التوليفة الرئيسية للمعارضة باتت تتبنى أساليب وطرقاً خطيرة تهدد بتبديد كل ما تم بناؤه حتى الآن و تضغط باتجاه ازاحة مرسي وجماعته من الحكم في سيناريو بات يعتبره البعض تكرارا لما حدث لرئيس الوزراء الايراني الراحل محمد مصدق في حقبة الخمسينات، أو حتى اجراء انتخابات رئاسية مبكرة، واذا حدث هذا فانه من المتوقع ان يكون هناك ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: تدخل القوات المسلحة المصرية من خلال اعلان حالة الطوارئ وادارة شؤون البلاد وقد بعثت قيادات الجيش اخيراً برسائل عديدة من خلال الدعوة لكافة الأحزاب والقوى السياسية لحوار وطني من أجل ايجاد مخرج من الأزمة السياسية، وتحذير وزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي من ان استمرار صراع مختلف القوى السياسية واختلافها في شأن ادارة شؤون البلاد قد يؤدي الى انهيار الدولة ويهدد مستقبل الأجيال المقبلة، وكذا تحذيرها بانها لن تسمح بتكرار سيناريو خروج المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، وكلها رسائل مهمة مفادها ان الجيش حاضر في المعادلة السياسية، واذا تحقق هذا السيناريو نكون قد عدنا الى فترة الخمسينات وتكون مصر قد ضاع من عمرها ستون عاماً بالتمام والكمال.
السيناريو الثاني: تراجع الاخوان ومرسي الى الصفوف الخلفية للتيار الاسلامي وتقدم السلفيين والشيخ حازم ابو اسماعيل الى الصفوف الأمامية وحينئذ سيكون أسلوب التعامل شبيها بالحشد الجماهيري الضخم الذي صاحب فترة ترشح الشيخ حازم وكذا محاصرة مدينة الانتاج الاعلامي وتهديد وزارة الداخلية والتوعد بجلد الشرطة عقاباً على اعتقال أربعة من انصاره عقب حادث الهجوم على مقر حزب الوفد، وفي حالة تحقق هذا السيناريو فلن نملك الا ان نترحم على أيام الرئيس مرسي و«طيبته» و«ضعفه».
السيناريو الثالث: عودة النظام القديم بكافة أركانه وقياداته لكن مع «نيو لوك» يوحي بالتغيير ظاهرياً لكنه حتماً سيكون بنكهة تجبر واستئساد اشرس مما كان عليه من قبل وروح انتقامية شديدة وتصفية حسابات لثورة 25 يناير وكل من أيدها ودعمها بالقول والعمل، ومن ثم تعود مصر مجددا الى مستنقع الفساد والضياع حيث سرقة الغاز والبترول ودخول الكيماويات والمواد المسرطنة من اسرائيل، ناهيك عن سياسة القمع والتنكيل ضد كل معارض شريف وغير شريف، وهو ما يعني في النهاية ان ثــــورة 25 ينــــاير ثورة باطـــلة ولا يعتد بها وفاشلة بكل المقاييس «وكأنك يابو زيد ما غزيت» وحينئذ لن يفيد البكاء على اللبن المــسكوب.. ولن نلوم الا انفــــسنا.