fiogf49gjkf0d
وعثــــرة الرأي تــــــردي !! بقلم / إسماعيل عبد الهادي,
, بقصيدة "مصر تتحدث عن نفسها" التي صاغها الشاعر الكبير حافظ إبراهيم وغنتها أم كلثوم من ألحان رياض السنباطي وهي من القصائد الرائعة التي تجيش بالفيض الوطني الجميل الذي نفتقده هذه الآونة..وتذكرت هذان البيتين الذين تختتم بهما القصيدة ويقول فيهما شاعر النيل : نحن نجتاز موقفاً تعثرُ الأراءُ .. فيــه وعثــرة الــرأي تُــــردي فقفـــــوا فيـــه وقفــــة حـــزم .. وارسوا جانبيه بعزمة المستعد ورأيتَ وكأن هذين البيتين من أبيات القصيدة المشار إليها يتحدث عما نحن فيه الآن رغم بعد الزمن الذي قيلت فيه القصيدة وزماننا هذا,ورغم إختلاف الظروف التي قيلت فيها القصيدة وما نحن نمر به الآن من ظواهر سلبية غريبة وعجيبة سواء بمصر أو بمعظم الدول العربية,وما نحن فيه من خلافات داخلية مستعرة تستغل فيها كل الوسائل المتاحة من سُباب ورمي الآخرين بالباطل ولم يعد هناك ضابط من خُلق أو وازعٍ من ضمير حتي مع من يزعمون أنهم حماة للدين,وأنهم جاءوا من أجل إرساء مبادؤه وتطبيق قواعده, وكأنهم مبعثوا العناية الألهية وهم أبعد ما يكونون عما يزعمون ويدعون وأن ماهم عليه ما هو إلا مظهر خادع كاذب يوحي إلي الناظر إليه خلاف الباطن,ومن ثم فعليهم قراءة التاريخ الإسلامي علي وجهه الصحيح لإن كثرة الجدل مفسدة ومضيعة,والدفاع عن وجهة النظر بالصراخ وعلو الصوت لن يجدِ نفعاً وربما يفضي إلي ضياع الحق وتوسيع هوة الخلاف وتفاقم النزاع وكثرة الأقضية.
 
 ومما يؤسف له أن البرلمانات في بعض البلدان العربية أصبحت حلبة صراع وكأننا نري سيركاً وأعضاء البرلمان بهلوانات فيه..كلُ يفعل ما يحلو له دون احترام لقانون أو إقتداء بعرف فخوراً بما سيُنشر عنه بالجرائد ووسائل الإعلام من صور وهو علي هذه الصورة المزرية المضحكة المبكية وهو صاغراً فاهُ,رافعاً يداهُ,مقتباً وجهه عبوساً في مواجهة زميلاً له ومن حوله مجموعة إما أن تُمسك به كي تُستكمل الصورة المقيتة أو يطالعونه عن كثب وكأنهم يشاهدون مسرحية هزلية عبثية وتنفض الجلسة علي لا شيئ !! وهكذا يتكرر المشهد المرة تلو الآخري إلي أن تتدخل القيادة السياسية بالدولة لتُفض الدورة البرلمانية قبل موعدها حلاً للأزمة وإراحة الناس من رؤية هذه الأوضاع المسيئة أمام العالم بأسره الذي يظهرنا كعالم إسلامي وكأننا لا نزال في عصور ما قبل التاريخ. وإذا ما شاهدنا برنامجاً حوارياً بالتلفاز سواء أكان يبحث في أمور سياسية أو دينية أو حتي رياضية أو خلافه لنري النقاش ولننظر إلي لغة الحوار فنجد الهجوم الشرس من كل صاحب رأي علي صاحب الرأي الآخر وكأن رأيه هو الصواب وما دونه هو الخطأ,ويعلو الضجيج,وترتفع الأيادي ملوحة في الهواء بشكل مأساوي يجعل من يراه مشدوهاً مستنكراً ما آل إليه أدب الحوار بين الناس علي أعلي المستويات فما بالنُا بما يدور بين العامة في الشوارع والحارات وداخل البيوت بين الأزواج أمام أولادهم ومن يقيمون معهم. والخطر الداهم هو علي الجيل القادم من شباب هذه الأمة الذين يشاهدون هذه الأساليب الهمجية وهذا المستوي المتدني في الحوار,ويرسخ لديهم أن هذا هو الصحيح وما دونه هو الخطأ فأصبحت القاعدة الإقتصادية القديمة والتي تقول" أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق" مطبقة بالفعل,وأصبح الخطأ هو المعيار القويم للسلوك بينما الصحيح هوالمستهجن والممقوت,وهذا المستوي المتدني أصبحنا نراه داخل دور العلم من مدارس وجامعات وما يحدث فيها من تصرفات شاذة تنأ بها عما قد خصصت وإنشئت من أجله,فكيف إذا جاء دور هؤلاء الشباب ليتولوا المسئولية بالدولة - وهو حادث لا محالة - من سيكون إذاً قدوتهم ودليلهم؟ وبمن سيهتدون وما هو معيار تصريفهم حينئذ للأمور؟.
 
 ومن ثم فإنه يتحتم علينا جميعاً أن نحتكم إلي العقل رحمةً بأبناءنا والأجيال التي سيأتي دورها من بعدنا فكلنا مسئولون مسئولية كاملة عن رعايانا ومن يعينينا أمرهم والأرتقاء بشأنهم داخل بيوتنا وخارجها من خلال المجتمع الذي نحيا فيه وهو فرض عين علي كل مسلم كما قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه : عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما – أنه قال : سمعت رسول الله – صلي الله عليه وسلم يقول :" كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته,الأمام راع ومسئول عن رعيته,والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته,والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها,والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته,وكلكم راع ومسئول عن رعيته ". والمسئولية تقتضي الأمانة..أمانة الكلمة المكتوبة,وأمانة القول,وما يلقي علي مسامع الناس وأمانة الفعل,وأمانة النقل فلا تحريف,ولا تزوير,ولا تدليس.. ومن الأمانة ألا نسفه آراء الآخرين أو نحط من شأنهم وننزل من قدرهم أياً ما كان خلافنا معهم أو مع توجهاتهم وآرائهم المخالفة لأراءنا وتوجهاتنا أو حتي مع عقائدهم التي لا تتفق وعقائدنا فالحوار مع هؤلاء يكون بالحسني,فما بالنا إذا كان الحوار مع من هم علي شاكلتنا وممن ينتمون لديننا وعقائدنا ومن أبناء جلدتنا فكيف يتدني اسلوب الحوار معهم إلي هذا الحد بالرأي والرأي المضاد دون إعتماد علي قاعدة تؤيده أو منهج علمي يسانده .. وهذا هو الخلاف الذي يُردي ويؤدي إلي ما لايحمد عقباه وهو الذي أشار إليه الشاعرالكبير حافظ إبراهيم بقصيدته" مصر تتحدث عن نفسها" والتي أخترت عنواني من إحدي شطرتها وصدرًت بيتين من عجزها بصدر هذا المقال.
 
 إسماعيل عبد الهادي,,