الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق وعلى آله وأصحابه أجمعين
قال تعالى (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين) (فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين) من ظاهر الآيات نستطيع فهم ما تعنيه فهى من الأيات التى لا تحتاج جهدا لإيضاحها ولقد ذكرت ما دار بين سيدنا موسى عليه السلام وبين الرجلان حتى تتضح الصورة عندما أبدأ فيما أردت الحديث عنه والجزء الخاص بما أعنيه فى هذه الآيات هو (قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين) وفى تفسير الجلالين ان القائل هو الذى استصرخه اى الذى من شيعة موسى عليه السلام ظنا منه انه سيبطش به فسمع الآخر من قوم فرعون ذلك فعلم ان القاتل موسى عليه السلام لآنه كان لا يعلم بهذا السر إلا موسى عليه السلام ومن استصرخه بالآمس فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك فأمر فرعون بقتل موسى عليه السلام فأخذوا فى الطريق إليه وما أردت إيضاحه هنا هو قول هذا الرجل وادعاءه على موسى عليه السلام مثل هذا الإدعاء وهو برىء منه أولا : إنما أغاثه لآن نصر المظلوم فرض فى جميع الشرائع فما فعل ذلك بنية القتل وإنما إسراعه بالإستغفار والإعتراف بإضلال الشيطان له كان مؤكدا لعدم نيته قتل هذا الرجل ثانيا : قوله (رب نجني من القوم الظالمين) فلو أنه كان جبارا فى الآرض ومفسدا ما خاف القوم قط فهو يماثلهم الصفات فلما يخافهم ولما يبغضونه ثالثا : قول إحدى ابنتى الشيخ الكبير الذى سقى لهما موسى عليه السلام (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) وعندما سألها أبوها كيف علمت بذلك قالت له انه رفع الصخرة التى لا يطيق حملها إلا عشرة رجال وإنى لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لى كونى من ورائى فإذا اختلف على الطريق فاحذفى لى بحصاة فما هذه بأخلاق الجبارين المفسدين رابعا : قول موسى عليه السلام للشيخ الكبير (قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) فلو آنه من المفسدين الجبارين ما كان سيخشى عدوان آحد وهذه الآدلة مجتمعة فى سورة القصص على براءة موسى عليه السلام من التجبر والفساد فى الآرض وجاء الدليل هذه المرة من موسى عليه السلام نفسه ناطقا به لسانه مؤكدا أنه يستنكر كل ما يستنكره العبد المؤمن الذى يخاف الله ويرجو رضاه فى قوله فى سورة الكهف مستنكرا قتل الخضر للغلام وقد غلبت عليه طبيعته التى تأبى سىء الآفعال (قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا) وأعقب ذلك باعتذاره للخضر فى مصاحبته للتعلم قائلا (إن سألتك عن شيء فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا) على الرغم من قبوله لشرط الصبر على ما سيرى من الخضر وبالتالى انتهاء التعلم منه آلهذا الحد كانت أخلاقه وسماحته عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام وفى تفسير ابن كثير كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه فقال ذات يوم رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب ولكنه قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى جميع رسلك آجمعين آمين