fiogf49gjkf0d
كل منا يتابع أحداث مصر باهتمام خاص. مثل غيري أقرأ صحافة مصر "الأهرام" و"الأخبار" يومياً لمتابعة المنحى الذي يسير عليه النظام الجديد، الذي جاءت به انتخابات حرة ونظيفة، لكنها تمثل 25% من الناخبين المصريين البالغ عددهم خمسين مليون ناخب.
وأفرز هذا الوضع شيئاً من الحراك الوطني المصري الذي يستكثر على النظام الحالي اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة تأخذ مصر الى دروب جديدة، وذلك اعتماداً على أن المبايعة للنظام الحالي محصورة في أقل من الثلث، وبما لا يمنحه الشرعية المتكاملة لامرار قرارات جوهرية.
ومهما حاولنا التقليل من تأثير ذلك الاجتهاد السياسي، فإن الحقائق تظهر التوجه نحو مزيد من التشكيك في حق الرئيس مرسي في تبني القرارات ذات الطابع الاستراتيجي النادر التي تمس بنظام الدولة المصرية.
مثل هذا الجدل يصعّد المخاوف من الجنوح نحو التسرع في اتخاذ القرارات المصيرية ذات العلاقة المباشرة بالأمن المصري، والتي تمس تراث الدولة المصرية وقواعد تأسيسها، وما يزيد المخاوف هي حقائق التاريخ المسجلة بأن مصر سيئة الحظ من قرارات قياداتها.
يمكن حماية مصر من المطبات التاريخية الفاسدة إذا ما تأمّن حكم ديموقراطي تتسيّده المساءلة لمنع التصرف الفردي في مصير مصر والمصريين، وترتبط آليات القرارات المصيرية في برلمان واع بقواعد العمل في العلاقات بين الدول وعلى دراية بالتبدلات الدولية، ومع التزام المبادئ المتفق عليها داخل المجتمع الدولي، ووفق القيم الكونية في حق المواطن في التعبير الحر عبر صحافة بلا قيود، ومساءلة دون خوف، واستفسار دون عقاب، وضمان حق الفرد في المشاركة في اتخاذ القرار المصيري.
ويجب ألاّ تغيب عن ذهن قيادة الاخوان حقائق التحولات الكونية في العلاقات بين الشعوب وفي التزام المواثيق والاتفاقات الدولية المعقودة بين الدول والتي يكون المجتمع الدولي طرفاً فيها، وهنا تبرز أهمية الالتزام بالاتفاق الذي عقدته مصر مع اسرائيل في وثيقة السلام بين الطرفين، فلا مجال للعبث مرة أخرى بموضوع مملوء بالمتفجرات، ويكفي القيادة المصرية الحالية القراءة المتأملة للاتفاق بين مصر والأمم المتحدة برعاية اميركية تم التوصل اليه في اعقاب العدوان الثلاثي عام 1956.
وأتذكر ان سمو الأمير وكان وقتها وزيراً للخارجية، ذهب في شهر آب عام 1967 لمقابلة الرئيس جونسون للحديث حول آثار عدوان عام 1967، وكان الرئيس الاميركي يلوّح في شرحه بالتفاهم الاميركي – المصري لاحترام الاتفاق الذي تم في اطار الامم المتحدة وانتهى بجلاء قوات التحالف الثلاثي، وعدم احترام مصر الناصرية لذلك التفاهم عبر طردها القوات الدولية من مضيق تيران. ويعرف الرئيس مرسي أن مصر الآن في حاجة الى الدعم العالمي في جهدها للتخلص من المتاعب الاقتصادية والعودة الى السلوك الاعتيادي في الترحيب بالاستثمارات العالمية وباقتباس فنون الادارة المالية والاستثمارية وتوسيع مصادر الدخل القومي وضخ المنافذ الواسعة للسياحة.
وبايجاز، المطلوب أن يأخذ الرئيس المصري الدولة المصرية الى منابعها التاريخية في الاستنارة والتسامح والاعتدال والاحتكام الى العقل والانسجام مع قواعد العمل الدولي، وأن يتصرف كقائد يرفض استحواذ حزب الاخوان المسلمين لمصر، وان يبقي الديبلوماسية المصرية المنفتحة تاريخياً على نهجها في التعامل الواقعي مع الشأن العربي والدولي، فلا مكان لهيمنة اقليمية ولا مكان للاستنجاد بشعارات فارغة، فالعلاقات المصرية – العربية تكون دائماً مثمرة ومبهجة ومريحة لجميع الاطراف اذا ما واصلت مسارها من دون ايديولوجيات قومية او إسلاموية، ولا أشك في أن الرئيس مرسي على اطلاع تام على اسباب الحرب العربية الباردة في الخمسينات والستينات والتي كانت عاملاً ضمن عوامل أخرى في كارثة 1967، فلا ادعاءات بالرجعية ولا حماية بالمواعظية المتدينة، وإنما علاقات انفتاح قائمة على التبادلية في المصالح والاطمئنان المشترك.
ثورة كانون الثاني المصرية ليست ثورة على حسني مبارك ونهجه، كما يقول خصوم الرئيس السابق، إنما هي ثورة من أجل الحرية ورفض نظام الاستبداد والاحتكار وهي معارضة قوية للأيديولوجيات القومية المتطرفة وغيرها التي أقحمت مصر الوديعة في حروب وخصومات مع العرب لأنهم لم يقبلوا فرض الطاعة عليهم. مصر الجديدة هي مصر الاستنارة ودعم الابداع، وعلى الرئيس مرسي أن يتناغم مع تلك الحقيقة، ولعل الرئيس يدرك أن هناك الكثير من الخوف على مصر من احتمالات الابتعاد عن مسار الاعتدال واحتمال استعادة نزعة المغامرات الفجة التي كان حصادها سجلاً من الكوارث والخيبات، ومصر العاقلة رصيد ضخم للعرب، وغير ذلك يبقى الجميع، مصر والعرب، في حالة ترقب لا ترضي أحداً.