نستاء ونغضب ونثور عندما نقرأ كلمات ترامب العنصرية، ونطالب الإدارة الأميركية بالاعتذار ودولنا بالتنديد، لكننا إن نظرنا في المرآة، ولو قليلا، لوجدنا أنفسنا أكثر عنصرية، ليس مع الغريب بل مع أنفسنا.
دعكم مما يقال في الخطب الرسمية، وعلى ألسنة السياسيين، ففي الحقيقة نحن كلنا عنصريون و«كلنا نكره كلنا»، ونظرة واحدة على مواقع التواصل الاجتماعي تثبت لكم ذلك. المغربي لا يطيق المشرقي، المشرقي يقلل من شأن المغربي، الجنوبي يصارع الشمالي، والشمالي متعال على الجنوبي، ودعونا لا نذكر الجنسيات لحساسية الموضوع.. وهكذا ندور في دائرة مغلقة من الكره والعنصرية.
بيد أن هذه العنصرية لا تقتصر على الشعوب العابرة للحدود، فحتى الشعب نفسه في البلد نفسه يعاني من العنصرية، فأهل المدن يتعالون على أهل الأرياف، وسكان الساحل لا ينسجمون مع سكان الصحراء، وأبناء تلك القبيلة يترفعون عن القبيلة الأخرى، وأبناء الديانة والمذهب المعين يكفرون أبناء الديانات والمذاهب الأخرى.. عنصرية تمارس علينا، ومن ثم نحن نمارسها على غيرنا، وتستمر سلسلة الكره بل ونورثها من جيل إلى جيل.
دعونا نعترف أننا جميعا نمتلك بذرة من العنصرية، ربما زرعت فينا ونحن أطفال، لهذا يصبح الجهد مضاعفا للتخلص منها ومقاومتها مهما صغرت. ففي الحقيقة نحن «نتعنصر» ضد من يختلف عنا في اللون، الأصل، الجنسية، المستوى الاجتماعي، المستوى التعليمي، الدين والمذهب. ألا تتكرر في حواراتنا عبارات مثل: «هذا… ما يفهم الا بالفلوس»، «لا تصدقه هذا… »، «هذا… غير محسوب علينا»، «لا تأخذ بكلامه هذا… »، «سيبك منها.. حرمة»؟ ويمكنكم تعبئة الفراغات بأي جنسية تتعنصرون تجاهها.
ألا ننادي سمر البشرة بـ«الخوال»؟ ألا نسمي قطعة من الحلوى بكل وقاحة وعنصرية «رأس العبد»؟ ألا نعامل الهندي والسيلاني والبنغالي بفوقية وتعال فقط لأنهم فقراء يعملون في بلادنا بأدنى الأجور؟ وحتى في تعاطفنا مع الضحايا، ألا نرفع أيدينا بالدعاء «اللهم اشف مرضى المسلمين» فقط؟
تقول بعض الدراسات ان العنصرية فطرية، والتمييز ضد من يختلف عنا موجود في الأطفال منذ ولادتهم، لكن التربية والتعليم والمجتمع هم من يهذبون هذه الفطرة ويعدلونها، بينما تقول دراسات أخرى ان الطفل يولد صفحة بيضاء ثم يعلمه الكبار الطائفية والعنصرية والتمييز. ومهما اختلفنا أو اتفقنا مع أي من النظريتين، يبقى تأثير العائلة والتربية والتعليم والمجتمع والإعلام ضرورياً ومهماً في تهذيب وتعديل وتقويم العنصرية.
عندما تنبه طفلك ألا يلعب مع من يختلف معه في المدرسة، عندما تتهكم على إنسان يختلف عنك في اللون أو الجنسية، عندما تحقّر المرأة أمامه، وعندما تكفّر الآخر لكونه يختلف معك في الدين أو المذهب، عندما تشتم شخصاً بأصله، وعندما يسمعك طفلك تستهزئ بعامل أو خادم لمجرد انه من طبقة اجتماعية أدنى، انت تكون ليس فقط زرعت بذور العنصرية فيه، بل وغذيتها أيضا.