الرزق والأجل هي التساؤلات التي ما إن تسيطر على تفكير الإنسان حتى ينسلّ القلق إلى جسده، ويبدأ عقله باستخدام طاقته القصوى. فيبدأ الاحتراق النفسي من الداخل نحو الخارج. وكلما زاد وقت التفكير بهما (الرزق والأجل) تكون الأمراض النفسية قد وضعت حجر الأساس في جسد الإنسان. ورويداً رويداً يستسلم الجسد للنفس فيبدأ ذوبانه. فمعظم الأمراض الجسدية أساسها نفسي، فعجباً من إنسان يبحث عما يزيده تعباً!
إنّ الإيمان بالله حق إيمانه يبدأ من الرضا بالرزق والأجل، فالله سبحانه قد تكفّل للخلق بالرزق مهما كانوا وأينما كانوا، كباراً أو صغاراً، رجالاً أو نساءً، طيراً وحيواناً، قويّاً وضعيفاً. قال الله تعالى في سورة هود: «وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ». فالمؤمن الحق يعلم علم اليقين أنّ الرزق والأجل بيد الله تعالى وحده، وأنّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنّه لن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها.
وعلى الرغم ممَّا وصلت إليه البشريَّةُ من تقدم وعمران، وما تفرزه كلّ يوم من عجائب ومخترعات، ودراسات متخصصة في الطب والاقتصاد وسائر التخصصات؛ فإن تلك البحوث والدراسات تقف عاجزة عند قضيتي الرزق والأجل. فكلما ارتفع يقين الايمان بالله حقاً انخفض القلق من المستقبل والبكاء على الماضي!
إن همَّ الرزق لا يزيد قلوب البشر إلّا ارهاقاً وتعباً، وإذا ما سيطر على العقول يصبح الشغل الشاغل فيصبح الهمّ الأول، وينسى الإنسان معه ما قد خُلق من أجله ألا وهو عبادة الله سبحانه. فيصبح ذلك الإنسان في حالة توتر دائم كلَّما سمِع خبراً عن مشكلة اقتصادية، أو خسارة أسهم أو شركات تُفلس، والعقول تطير خوفًا إذا ما سمع عن قريب أو صديق قد توفاه الله. فيبدأ الخوف من «مجهول» قد صنعه ذلك الإنسان لنفسه بنفسه.
لعلّ ما نراه من بعض البشر في تلك الأيام يجعلنا نستغرب من بعض أفعالهم، والشاهد على ذلك التناقض الكبير بين ما نقرأ وما نفعل، ما بين ما نتعلم وما نفهم. فقد تعلمنا منذ نعومة أظافرنا أنّ الإيمان بالقدر والتصديق الجازم أنّ كلَّ خيرٍ أو شرٍ يصيب الإنسان إنَّما هو بقضاء الله وقدره هو من أركان الإيمان، ولا يستقيم بناء المؤمن إلا به، وكررناها في كل فصل دراسي وعلمناها لأبنائنا، وأبناؤنا سيعلّمونه لمن بعدهم. ورغم ذلك نرى البعض يضعف أمام «قلق» الرزق ودوامه، ويعيش في حالة خوف من اقتراب الأجل. فعجباً من بشر يعلّمون أبناءهم ما لا يملكونه. فكيف تقولون لأبنائكم أن لا يقلقوا من الرزق والأجل، وأنَّ الوجودَ كلّه خاضع لأمر الله وقضائه، بينما عقولكم لا تتوقف عن التفكير فيهما!
تذكروا أن رزقكم سيجري خلفكم فلا ترهقوا أنفسكم خلفه، وأن الأجل سيأتيكم فلا مفر منه. وأن الذي منح الحياة هو وحده الذي يُنْهِيها، وأن الذي خلق البشر هو الذي يتكفَّل برزقهم، هما حقيقتان من عند الله. وبهما تتوقف التساؤلات البشرية!