سآخذكم في نزهة قصيرة نتفقد فيها أحوال الرعية.. نسير في شوارع جميلة نظيفة مزروعة بالأشجار ورجال الزي الأصفر. هم كذلك مزروعون كالأشجار التي يقفون تحتها. في كل دول العالم تمر سيارة التنظيف في ساعات الصباح الأولى تنظف المنطقة كاملة ثم تختفي.
إلا نحن ما زلنا نعتمد على جيش من العمال البسطاء وفي يد كل منهم «مكنسة». كل زقاق له عامل تنظيف أو اثنان. يقوم العمال بالتقاط أوساخنا ثم يتخذون أماكنهم المحددة سلفا عند كل ناصية بانتظار «المقسوم».
ندخل المستوصف، مكان نظيف مرتب وعشرات من العمال يجلسون بلا عمل بعد أن انتهوا من واجبهم الأصلي الذي يختصر في تنظيف المكان، لكن لكثرتهم لا يجدون ما يفعلونه باقي النهار فنجدهم متبطحين على كراسي المرضى بانتظار أن يتم طلبهم لتوصيل ورقة أو الإتيان بفنجان قهوة.
تعالوا نمر الجمعية. نحتاج إلى ركن السيارة، نلتفت فنجد «رجال الزي الأصفر» أنفسهم يقفون بين السيارات، يلوحون لك فهناك مكان فارغ. تركن سيارتك ثم تنزل لتضع مبلغا من المال في يد المسكين الذي تعب وهو ينتظرك في الجمعية شعارهم «عامل لكل متسوق».
عامل للتنظيف، للترتيب، للتعبئة، للصف.. لكن الأهم هو ذاك العامل الذي تقتصر مهمته على رفع كراتين الخضرة والفواكه من الرف لوضعها في سلة مشترياتك، تخيلوا! نصل إلى المحاسبة، الموضوع هنا محرج قليلاً، فعليك أن ترتب ثلاث دفعات من البقشيش، الأول للعامل الذي أفرغ سلة مشترياتك ووضعها فوق طاولة المحاسبة، والثاني للذي وضع حاجياتك في الأكياس، والثالث للذي اهتم بتوصيل مشترياتك إلى السيارة.
بمعنى أن هناك ثلاثة عمال مجندين لا شغلة لهم سوى مساعدتنا نحن المساكين في تعبئة وتحميل مشترياتنا.
تذهب لتعبئة سيارتك بالوقود، فتجد محطة خدمة ذاتية، كما في كل دول العالم، إلا عندنا. ينبق لك عامل من تحت الأرض ليعبئ لك الخزان، لتسترخي أنت في سيارتك معززا مكرما، تنقده باقي المبلغ الذي يحرص أن يكون بكسور، تدوس بنزين وتتوكل على الله.
كل ما سبق مجرد أمثلة على العمالة الزائدة في الكويت التي شجعت الناس على الكسل والاتكالية وتبعاتها من أمراض السمنة والسكر والضغط. وفي دراسة لقطاع الدراسات والبحوث في مجلس الأمة تبين وجود مليون و322 ألف عامل في الكويت يعتبرون من فئة العمالة الهامشية.
مشكلة تلك العمالة تتفرع إلى شقين، فالعمال المنثورون في البلد لم ينزلوا علينا من السماء، جميعهم أتوا وفق عقود عمل واذون زيارة وكفلاء كويتيين. أي ان وجودهم بهذه الكثرة وهذه اللا جدوى ليس ذنبهم بل ذنب من أتى بهم، فبدلا من أن تتنمروا عليهم حاسبوا تجار الإقامات المستفيدين الذين أتوا بهم.
المشكلة الثانية ان معظم هؤلاء جمعوا تحويشة العمر وباعوا ذهب زوجاتهم للحصول على عدم ممانعة تسمح لهم بالعمل في الكويت ليجدوا أنفسهم إما بلا عمل حقيقي، أو تم توظيفهم بمرتبات متدنية لا تكفي لسد جوع عائلاتهم.
الطامة الكبرى ان الكثير من الشركات تمتنع عن دفع رواتب عمالها لشهور مما يساهم في تحويل هؤلاء البسطاء إلى متسولين وأحياناً مجرمين، أو إيصالهم إلى الانتحار بعد أن استنفدوا كل وسائل الاعتراض والاحتجاج والمطالبة بحقوقهم.
قضية تجارة الإقامات والعمالة السائبة تسبب إحراجاً كبيراً للكويت أمام منظمات حقوق الإنسان لانتهاكها قضايا إنسانية، عدا ما تسببه من فساد للبلد نفسه.. فارحموا ترحموا.