في موقف ذي صلة بموضوع التاجر الأسوة في كويت الماضي، دعنا عزيزي القارئ هذه المرة نقتبس من مصدر القصة كما يحكيها راويها حسين خلف الشيخ خزعل في كتابه التوثيقي التاريخي «تاريخ الكويت السياسي» في جزئه الأول، حين كتب في صفحة 73 تحت عنوان «التجاء ضامر بن حويمد إلى الكويت» ما يلي:
في عهد والي سوريا (مصطفى باشا) ساءت الأحوال في الشام، لأن مصطفى باشا كان قاسياً ظالماً، فأطلق لنفسه العنان بالحصول على المال بشتى الوسائل، ليرسل بعضاً منه لولاة الأمور في اسطنبول، ليضمن بقاءه في حكم سوريا مدة أطول.
عهد الوالي جمع الرسوم في الشام إلى شاب يدعى برهان بك، وكان أرمني الأصل ناشئاً في دار مصطفى باشا، فامتدت يد برهان بك لأموال الناس، لا سيما التجار، فقد ارهقهم بما كان يجبيه منهم من الأموال الكثيرة، وذات يوم خرج برهان بك برجاله من دمشق فأبصروا قافلة قادمة من حمص إلى دمشق، وكانت تلك القافلة تحمل أمولاً تجارية إلى التاجر ضامر بن حويمد ومن كان معه، وأسفرت النتيجة عن مقتل اثنين من إخوة ضامر وأخته، وكذلك عن مقتل برهان بك وقسم من رجاله وفرار الباقين.
فأدرك ضامر مقدار الخطر الذي أصبح يهدده، وأن مصطفى باشا ليس بتاركه حيّاً بعد هذه الحادثة، فعزم على الفرار بأهله إلى قطر آخر، فاتجه إلى شمال دمشق، وبعد أن قضى هناك أياماً في تدبير أمواله مر بمدينة حماه، ومنها عقد الرأي على قصد الكويت للاحتماء بشيخها جابر المبارك الصباح.
وبعد أسابيع قضاها في السير وصل بركبه إلى الكويت، فذهب توّاً إلى الشيخ جابر في ديوانه، وقصّ عليه قصته وطلب منه الحماية على مقتضى أصول العرب. فقال له الشيخ جابر «أنت وأهلك في حمانا وضيافتنا، فكن آمناً هادئاً، ولن يصلك أحد بسوء ما زلت مقيماً في حمانا، وسأمنع عنك كل أذى حتى لو احوجت الضرورة إلى سلّ الحسام، وهؤلاء الكرام جميعهم شهود». يشير بذلك إلى من كان في مجلسه من أهالي الكويت، ثم استأنف الشيخ جابر قوله: «ولو كان قتلك لبرهان ومن معه من دون بسبب مشروع، ولو كنت أنت الذي بدأتهم بالعدوان لما سمحت لك بالبقاء في الكويت يوماً واحداً، بل لأنزلت أنا بكم العقاب، ولكني أصدقك، وسوف أتأكد أيضاً من صدق ما تقول». فقام ضامر من مكانه وأخذ يد الشيخ جابر وقبّلها بحرارة، شاكراً له ذلك الموقف.
ولما بلغ مصطفى باشا أن ضامر قد التجأ مع عائلته إلى صاحب الكويت، أرسل رسلاً إلى الشيخ جابر يطلب منه تسليمه إليه، وكان رسله يحملون معهم توصيات إلى الشيخ جابر من داوود باشا وزير بغداد وعزير آغا متسلم البصرة لإنجاز مهمتهم.
غير أن الشيخ جابر رغماً عن كل ذلك، رفض بإباء وشمم أن يسلم من استجار به ويتخلّى عمن طلب حمايته، فعمد مصطفى باشا إلى التهديد والوعيد، ولكن الشيخ جابر لم تلن قناته ولم يجعل ضامراً يشعر بأن إقامته في الكويت أمراً غير مرغوب فيه، وفشلت جميع المحاولات التي قام بها مصطفى باشا.
ولما غضبت الدولة العثمانية على مصطفى باشا، وسيق إلى اسطنبول قال الشيخ جابر لابن ضامر «الآن في وسعك أن تعود إلى بلادك من تلقاء نفسك إن شئت، أو أن تبقى عندنا في الكويت إذا أردت». فقال له ضامر «لن أرحل عن بلدة أوتني وحمتني من عدوى اللدود في أشد أيام المحنة، وسأظل فيها بقية العمر، وفي تربتها، أرجو أن أدفن بعد موتي».